تُعامل كثير من المنظمات غير الربحية الصناديق الوقفية بوصفها ذروة النضج المالي، وعلامة الاستقرار المؤسسي طويل المدى. غير أن هذا التصور، على وجاهته الظاهرة، يحتاج إلى مراجعة أكثر هدوءًا حين تصبح أموال الوقف مقيدة، وبعيدة عن الاحتياجات العاجلة، أو غير قادرة على مواكبة تحولات المجتمع والمستفيدين.
في هذا المقال، يطرح الكاتب والمستشار في جمع التبرعات جيمس بلورد قراءة نقدية لافتة لفكرة الأوقاف التقليدية، لا من باب التقليل من أهميتها، بل من زاوية السؤال الأهم: متى يكون الوقف أداة للاستدامة؟ ومتى يتحول إلى قيد يؤخر الأثر؟ وتأتي هذه الترجمة غير الحصرية بتصرف محدود، مع حفظ الحقوق الأدبية للكاتب والمصدر الأصلي، بهدف إثراء النقاش المعرفي حول الاستدامة المالية في المنظمات غير الربحية.
تأمّل معي هذا المثال : إذا كنت تريد تعليمًا مدفوع التكاليف بالكامل في جامعة برنستون، مُتضمنًا فرص الدراسة في الخارج، فكل ما عليك فعله هو أن تُقبل في الجامعة وأن تتخصص في اللغة مثلا.
في زمن مضى، أنشأ أحد المتبرعين الواعين وقفًا نما بشكل كبير مع مرور الوقت لدعم الدراسات وعلى الاعتقاد القائم بأن إيجاد طلابًا متحمسين للتخصص في الدراسات أمر شائع لم يعد الأمر كذلك.
لا تملك الجامعة خيارًا سوى الالتزام بالقيد الذي وافقت عليه قبل كل تلك السنوات، وأن تُبقي تلك الأموال جاهزة لعودة ازدهار التخصصات ومن هنا تكمن واحدة فقط من مشكلات الأوقاف، التي تراها كثير من المنظمات غير الربحية الكأس المقدسة لجهودها في جمع التبرعات.
إذا كانت منظمتك غير الربحية تمتلك بالفعل وقفًا كبيرًا يوفّر لها دعمًا تشغيليًا سنويًا، فهذا مكسب مهم. أما إذا كانت منظمة غير ربحية صغيرة تسعى إلى بناء وقف من نقطة الصفر، فهناك جوانب ينبغي التوقف عندها.
تحتاج المنظمة إلى جمع رأس مال كبير قبل أن يصبح للوقف أثر ملموس في رسالتها. ومع معدل صرف سنوي يتراوح عادة بين 4 و5 في المئة، فإن وقفًا بقيمة مليون ريال لن يوفّر سوى عائد سنوي يتراوح بين 40 و50 ألف ريال، بينما يظل ما بين 950 و960 ألف ريال مستثمرًا بوصفه أصلًا وقفيًا، ولا يكون متاحًا للإنفاق المباشر على البرامج والخدمات.
جمع أموال الوقف بالغ الصعوبة؛ إذ ليس من السهل إقناع متبرع بتقديم هبة كبيرة تظل مستثمرة في صندوق، في حين لا يتاح للمنظمة سنويًا سوى عائد يعادل أربع أو خمس هللات من كل ريال. وقد يستمر هذا الترتيب طويلًا وفق شروط الواقف. كذلك لم أقابل متبرعًا قادرًا على تقديم هبة وقفية مؤثرة، ويعتقد أن منظمة غير ربحية تستطيع إدارة أمواله بكفاءة أعلى من قدرته على إدارتها بنفسه.
هناك نهج آخر ربما لا أحد يعلمه، وهو أن أحد العملاء مؤخرًا، بعد أن أنهى حملة لتأمين مساكن ميسّرة كان مُجتمعه في أمسّ الحاجة إليها، فكر في بدء حملة وقفية لتغطية أعمال الصيانة والإصلاحات المستقبلية.
وبدلًا من ذلك، أنشأوا صندوقًا استثماريًا للصيانة وبطريقة تشبه الوقف إلى حد ما، سيُجمع هذا المال ويُستثمر مع مرور الوقت مع فارق مهم واحد: ستُنفق الأموال عند الحاجة، ولن تكون مقيدة بقاعدة إنفاق “الفوائد والأرباح على التأبيد” كما هو الحال في الوقف التقليدي.
ومن المؤكد تقريبًا أن عضوًا حسن النية في مجلس الإدارة يقترح يومًا ما إطلاق حملة لبناء وقف و عندما يحدث ذلك، اسأل هذا الشخص عن المبلغ الذي يخطط للمساهمة به، وغالبًا ستكون الإجابة: “لم أكن أَقصدني!” ثم انظر بجدية فيما إذا كان هذا “الاستثمار” يستحق الجهد، وما إذا كان هو أفضل طريقة لمنظمتك غير الربحية لجمع الأموال من خلالها لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية للأشخاص الذين تخدمهم.
ليست المشكلة في الوقف بوصفه فكرة، بل في تحويله إلى إجابة جاهزة لكل سؤال مالي نظرا لأنّ المنظمة الرشيدة لا تقيس نضجها بحجم الأموال المحفوظة فقط، ولكن بقدرتها على توجيه المال في الوقت المناسب، والشكل المناسب، لخدمة رسالتها ومجتمعها.
إن إعادة التفكير في الأوقاف لا يعني إلغاءها، هو تحرير النقاش حولها من القداسة الإدارية الزائدة، والنظر إليها كخيار ضمن منظومة أوسع من أدوات التمويل والاستثمار والأثر وبعض المال يحسن أن يبقى للمستقبل، وبعضه لا يحقق معناه إلا حين يتحرك في الحاضر.
مقال مُترجم بتصرّف لكاتبه جيمس بلورد هو مستشار في جمع التبرعات ومؤلف كتاب: Finding Funding: How to Ask People for Money and Get It، المتاح على أمازون.
الترجمة ليست حصرية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!