قراءة العقد بعين القانوني.. مهارة تحمي الجمعيات من المخاطر

ع ع ع

في عالم المنظمات غير الربحية، لا يقلّ العقد أهميةً عن النظام الأساسي أو اللائحة التنفيذية. فكلّ التزامٍ تبرمه الجمعية أو المؤسسة — سواءً كان مع متبرعٍ، أو جهةٍ مانحة، أو موردٍ، أو شريك تنفيذ — يجب أن يُقرأ بعينٍ قانونية واعية، لأن الخطأ في التقدير قد يترتب عليه التزام مالي أو نظامي غير مقصود.


أولاً: التكييف القانوني.. نقطة البداية
التكييف هو عملية تحديد طبيعة العقد الحقيقية، هل هو عقد تبرع؟ أم استثمار؟ أم شراكة؟ أم تقديم خدمة؟ تحديد النوع هو الذي يوجهنا إلى النظام أو القواعد التي تحكمه، كالنظام المدني أو نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية أو لائحة جمع التبرعات. فإذا أُبرم عقد شراكة دعوية مثلًا بصيغة عقد رعاية تجارية، فقد يختل التكييف وتُطبق عليه أحكام غير مناسبة.


ثانياً: الأركان الأساسية.. حياة العقد ومماته
كل عقد يجب أن يقوم على ثلاثة أركان: التراضي، والمحل، والسبب. فإذا انعدم أحدها بطل العقد بطلانًا مطلقًا. وهذا يعني أن الجهة غير قادرة على تنفيذ أي التزام ناشئ عنه، ولا يجوز لها الاحتجاج به أمام القضاء أو المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي. على سبيل المثال، إذا أبرمت جمعية عقد تبرع دون تفويض نظامي من مجلس إدارتها، فإن ركن التراضي الصحيح منتفٍ.


ثالثاً: شروط الصحة.. حماية من القابلية للإبطال
حتى وإن وُجدت الأركان، يبقى فحص شروط الصحة ضروريًا: كسلامة الإرادة من الغلط أو الغبن، وتحقق الأهلية النظامية للموقّعين. فالعقد الذي يبرمه مدير الجمعية دون تفويض مكتوب قد يكون صحيح الأركان لكنه قابل للإبطال متى اعترضت الجمعية أو المركز. هنا تظهر أهمية مراجعة اللوائح الداخلية والتأكد من مصفوفة الصلاحيات المعتمدة.


رابعاً: البنود الخاصة والمخاطر المحتملة
العقود في القطاع غير الربحي ليست مجرد وثائق شكلية؛ فهي تحمل في طياتها التزامات مالية، ومسؤوليات قانونية، وأثرًا مباشرًا على سمعة الجهة. لذلك يجب على المستشار القانوني فحص البنود التي تحدد:

  • مدة العقد وتجديده التلقائي، لتفادي استمرار التزامات غير مرغوبة.

  • الشرط الجزائي والتعويض، وضمان تناسبه مع طبيعة النشاط الخيري.

  • بنود فضّ النزاعات، وتحديد المرجع (التحكيم – القضاء – المركز الوطني).

  • الملكية الفكرية والمخرجات المشتركة، خصوصًا في عقود الإنتاج الإعلامي أو التقني.


خامساً: مواءمة العقد مع الأنظمة واللوائح
قبل توقيع أي عقد، يجب التحقق من اتساقه مع الأنظمة التالية:

  • نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية ولائحته التنفيذية.

  • قواعد الحوكمة الصادرة عن المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.

  • القواعد المنظمة للصناديق الأهلية أو العائلية عند الحاجة.

  • لائحة جمع التبرعات إن كان التمويل يشمل جمعًا عامًا.
    هذا الفحص يضمن أن العقد لا يخرق اختصاص الجهة المشرفة ولا يعرض الجمعية للمساءلة أو تعليق النشاط.


سادساً: التوثيق والمراجعة الدورية
بعد إبرام العقد، ينبغي حفظ نسخة معتمدة في سجل العقود ومراجعتها دوريًا، خصوصًا عند تغير الأنظمة أو الأشخاص المفوضين. كما يُفضل تضمين بند يُلزم الطرفين بتسوية أي خلاف عبر الحوار أو الوساطة قبل اللجوء إلى القضاء، حفاظًا على سمعة القطاع.


العقد أداة أمان لا عبء إداري
حين تُقرأ العقود بوعيٍ قانوني، تتحول من عبءٍ شكلي إلى أداةٍ استراتيجية تضمن الاستقرار النظامي، وتحمي أموال المتبرعين، وتُكسب الجمعية ثقة المركز والجهات المانحة. فكل توقيع على عقد هو مسؤولية، وكل بندٍ غير مدروس قد يكون ثغرة تُكلّف المؤسسة ما لا تُطيق.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top