عندما تنطلق صفارة التحدي، تميل بعض المنظمات إلى تأجيل المراجعات والتقييمات الداخلية ظنًا أن الظرف لا يسمح، وأن الجهود اليومية تكفي لإثبات الالتزام والجدارة. لكن في الواقع، أكثر الأوقات حاجة لتقييم الأداء هي الأوقات الصعبة نفسها.
عندما تواجه المنظمات غير الربحية عقبات متتالية، يصبح التركيز على أساسيات الإدارة اليومية تحديًا بحد ذاته. ومن بين هذه الأساسيات التي غالبًا ما يتم إرجَاؤها أو تجاوزها: تقييم الأداء.
قد يبدو من غير المنطقي إجراء تقييم في وقت يُدرك فيه الجميع حجم الجهد المبذول وصعوبة تحقيق الأهداف في ظل الظروف الراهنة. ومع ذلك، فإن تجاهل التقييم ليس الحل، بل على العكس تمامًا ففي الأوقات الصعبة، يصبح تقييم الأداء أداةً أكثر قيمة، لأنها تساعد المنظمة على إعادة اكتشاف قدراتها، وتحديد مكامن القوة، وإشعال روح التحفيز وسط الضباب.
ابدأ بالاعتراف بالواقع كما هو: بعض الأهداف قد لم تتحقق، بينما قد تكون أخرى تجاوزت التوقعات تمامًا. و المناخ الحالي يلقي بظلاله على قدرة أي شخص على أداء عمله والشعور بالنجاح فيه. وربما يكون أحد أعضاء الفريق مثقلًا بالأعباء أو في المقابل يسعى لتوسيع مهاراته ليصبح أكثر كفاءة وتأثيرًا.
راجع الأهداف السابقة وتحدث عنها بصدق :
1. ما الذي تغيّر منها جذريًا؟
2. وما الذي بقي ثابتًا؟
3. وأيّها كنت تتمنى لو تغيّر؟
إنّ تقييم الأداء ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو لحظة مخصصة للتوقف، والاعتراف بالنجاحات، والتعامل بوضوح مع الإحباطات والعقبات، ورغم أن الحوارات اليومية لا تنقطع، إلا أن هذا اللقاء السنوي فرصة ذهبية لمراجعة الممكن، ووضع البوصلة في الاتجاه الصحيح من جديد.
ضع خطة واضحة للمضيّ قدمًا : لا يشترط أن تمتد لعامٍ كامل؛ بل يمكن تقسيمها إلى فترات أقصر، ككل ربع سنة أو نصف سنة. الهدف هو المراجعة الدورية المتعمّدة التي تواكب تغيّرات البيئة ومتطلبات العمل اليومية المتزايدة.
احرص على إدراج تطوير الكفاءات المهنية ضمن الخطة، لأنّ بيئات العمل اليوم تتغيّر بسرعة، ومن الطبيعي أن يحتاج بعض الأفراد إلى دعم إضافي أو تدريب أو خبرة جديدة ترفع جاهزيتهم للأدوار المقبلة. ثم كن صريحًا بشأن العام القادم: كيف سيؤثر الواقع المتغيّر على أدوار الفريق؟ وما هي معايير النجاح الجديدة التي تتوقعها؟
وتذكّر : التقييم لا يقتصر على العاملين التنفيذيين، بل يشمل المدير العام، وفريق القيادة، والعاملين، وحتى أعضاء مجلس الإدارة. فإذا لم تُجرى تقييمات في السابق، فهذا هو الوقت المناسب للبدء.
و عند تصاعد الضغوط والغموض، يصبح الوضوح في التوقعات والاتصال الفعّال صمّام الأمان، نصيحتي لك أن تُساعد الجميع على إدراك ما يمكن السيطرة عليه وما لا يمكن، وامنحهم الثقة بأنهم يعملون ضمن منظومة تُساندهم لا تُحاسبهم فقط.
في نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح التقييم بمدى توثيقه أو دقّة نماذجه، بل بقدر ما يُحدثه من تفاهم وتطوّر في علاقة المنظمة بفريقها، حيث أنّ التقييم الفعّال لا يقتصر على رصد الأداء، بل يفتح بابًا للحوار حول المستقبل، ويعزّز ثقافة الاحترام والمسؤولية المشتركة.
وحين يدرك كل فرد موقعه في المنظومة، وما يُتوقّع منه، وما الدعم الذي يمكنه الاعتماد عليه، تتحول المراجعة من إجراء سنوي إلى ممارسة مؤسسية تُعيد المعنى للقيادة وتُرسّخ قيم العدالة والشفافية داخل بيئة العمل.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
