هذا المقال مستفاد فكريًا من مادة منشورة في Stanford Social Innovation Review، وقد أُعيدت صياغته وتحريره وتكييفه بما يناسب سياق القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية، مع حفظ الحق الأدبي للمصدر الأصلي.
سواء كان ذلك نتيجة نجاحٍ سابق، أو كان علامة على جمودٍ لم يُلتفت إليه بعد، فإن كثيرًا من المنظمات غير الربحية تصل، في مرحلة من مراحلها، إلى نقطة تشعر فيها بأن بنية الحوكمة القائمة لم تعد تخدمها كما ينبغي.
من جهة، تجد صعوبة في استقطاب الكفاءات المناسبة إلى مجالس إدارتها والاحتفاظ بها، وهي، من جهة أخرى، حتى عندما تضم أعضاء جددًا، لا تجد أن هؤلاء يقودونها إلى اتجاهات جديدة بالقدر الذي تتطلبه المرحلة، لذلك يبرز سؤال جوهري: هل المشكلة في ندرة الأشخاص المناسبين، أم في الطريقة التي نبحث بها عنهم منذ البداية؟
أحد الأسباب العميقة لهذا الجمود هو اعتماد كثير من المجالس على شَبكاتها الخاصة في التعرف على الأعضاء الجدد واستقطابهم، وقد أظهرت البيانات أن أكثر طريقتين شيوعًا لتحديد المرشحين هما شبكات أعضاء المجلس الشخصية أو المهنية بنسبة 96%، ثم شبكات الرئيس التنفيذي أو المدير التنفيذي بنسبة 88% وهو ما يعني أن الأبواب التي يدخل منها القادمون الجدد تظل، في الغالب، الأبواب نفسها التي صنعت التكوين القديم.
هذه الشبكات المتداخلة تصنع، مع الوقت، ثقافة منحازة إلى الداخل، ولذلك تعيد إنتاج الوضع القائم، وتكرر الاستراتيجيات والمقاربات نفسها، حتى عندما تصبح أقل ملاءمة من ذي قبل، كما أنها ترهق عددًا محدودًا من الأسماء التي تتنقل بين أكثر من مجلس. وفي زمن أصبحت فيه المرونة شرطًا للبقاء، فإن المنظمات العالقة داخل غرف صدى مغلقة ستجد صعوبة أكبر في الحفاظ على فاعليتها ورَاهنيتها. وفي السياق السعودي، يزداد هذا المعنى أهمية، لأن القطاع غير الربحي لم يعد قطاعًا محدود المهام أو بسيط التكوين، بل بات أكثر اتساعًا، وأشد حاجة إلى مجالس تفهم التمويل، والحوكمة، والتحول الرقمي، والشراكات، والسمعة، وتنوع المجتمعات التي تخدمها.
ومن هنا تبرز ممارسة مختلفة في استقطاب أعضاء المجالس، وهي “البحث المفتوح عن أعضاء المجلس”، أي عملية تقديم علنية وتنافسية تشبه إعلان فرصة قيادية عامة أكثر من كونها تزكية شخصية تجري خلف الأبواب المغلقة وعندما تُسوَّق الفرصة على هذا النحو، فإنها لا تغيّر فقط قائمة المرشحين، بل تعيد تشكيل علاقة المجلس بالمنظمة نفسها، وبالرسالة التي يفترض أن يحملها، وبالمجتمعات التي ينبغي أن يمثلها.
وقد ظهرت هذه الحاجة بوضوح في حالات مختلفة: فهناك من احتاج إلى أعضاء يملكون وقتًا وَخبرة في مجالات مثل العدالة في الوصول، والمناخ، والتنوع الحيوي، وهناك من تجاوز نشأته المحلية وأصبح بحاجة إلى خبرات وشبكات أكثر اتساعًا تساعده على الانتقال إلى مرحلة جديدة، وهناك من أراد أن يصبح مجلسه أكثر تمثيلًا لجمهوره المتنوع.
وتحت هذا التباين الظاهري، كانت المشكلة واحدة تقريبًا: الشبكات القديمة لم تعد تكفي للاحتياجات الجديدة كما أن نتائج عدد من عمليات البحث المفتوح، المدعومة منذ 2020، أظهرت مؤشرات مبكرة قوية في ثلاثة اتجاهات: استقطاب مواهب وموارد جديدة، ورفع مستوى التفاعل داخل المجلس، وتحسين التفكير الاستراتيجي.
المجالس التي تعيد إنتاج نفسها
في كثير من المنظمات غير الربحية، يتعلم المجلس وطاقم العمل طريقة استقطاب الأعضاء من الذين سبقوهم، من غير أن يتوقفوا طويلًا عند المنطق الذي يحكم هذه الممارسة أو النتائج التي تنتج عنها. وهكذا تستمر العادة لا لأنها الأفضل، بل لأنها الموروثة، ثم تنتهي، مع الوقت، إلى ترسيخ نموذج قديم لعضوية المجلس، يقوم على تجنب المخاطرة، والمجاملة أو الوجاهة، ثم الندرة المتصورة.
تجنب المخاطرة
يوجه الخوف من المخاطرة كثيرًا من قرارات الحوكمة لأنّ بعض المجالس ترى أن إدخال أشخاص أقل ألفة بتاريخ المنظمة أو ثقافتها قد يبطئ التقدم، أو يربك الأجواء، أو يدفع إلى اقتراحات تبدو، في نظرها، بعيدة عن الواقع، كذلك يخشى بعض القادة أن يُحرجوا متبرعين أو شخصيات مجتمعية بارزة إذا اقترحوا أنفسهم أو أصدقاءهم لعضوية المجلس ثم لم يُقبلوا.
لذلك يميل القرار، غالبًا، إلى الاسم المعروف، لا إلى المرشح الذي قد يضيف جديدًا و لكن هذا التحفظ، على الرغم من أنه يبدو حرصًا على الاستقرار، قد يتحول في أثره العملي إلى مانع للتجدد، لأن المجلس الذي يخشى الأسئلة الجديدة سيظل، في الغالب، أسير الإجابات القديمة.
المجاملة
قد تُفهم عضوية المجلس في المنظمات الممولة جيدًا بوصفها علامة وجاهة أو وسيلة لمكافأة المتبرعين، أو مدخلًا لتقوية العلاقات قصيرة الأجل، غير أن هذا النمط يقدّم، في كثير من الأحيان، العطاء القريب على بناء الصلة الطويلة، كما أنه يضغط على مجتمع تمويلي صغير نسبيًا ومُتداخل الشبكات، فيُطلب من عدد محدود من القادة أن يخدموا في أكثر من مجلس، ثم يصبحون، بسبب هذا التوسع، أقل قدرة على الخدمة العميقة في أي منظمة واحدة.
الندرة
وثمة مشكلة ثالثة، وهي أن بعض المنظمات تتحرك من منطلق ندرة متخيلة، فتبحث عن أعضاء مجالسها داخل مجموعة صغيرة من الأشخاص المشغولين أصلًا، ثم تعدهم بأن العمل لن يكون مرهقًا، وبعد ذلك تتساءل لماذا لا يحضرون الاجتماعات بانتظام، أو لماذا يأتون إليها على غير استعداد كافٍ. والحال أن عضوية المجلس التزام يوازي، في بعض أبعاده، وظيفة جزئية. لذلك، إذا لم يكن المرشح مستعدًا لهذا الالتزام، فربما لا ينبغي أن ينضم أصلًا، لكن كثيرًا من المنظمات تتحرج من قول ذلك، أو من استبعاد من لا يلبّي التوقعات.
كسر الوضع القائم
إذا كانت المنظمات غير الربحية تريد أن تبني قدرة أعلى على الصمود في مواجهة مشكلات معقدة ومتغيرة، من الاضطراب التقني إلى التقلبات المالية، مرورًا بالأوبئة والتغير المناخي، فإن مجالسها تحتاج إلى منظور أوسع ومهارات أرحب وبعبارة مباشرة، إذا أردنا منظمات غير ربحية أكثر فاعلية، فلا بد من فتح أبواب غرفة المجلس على اتساع أكبر.
وعندما تلجأ المنظمة إلى بحث مفتوح، فإنها لا تصل فقط إلى شبكات جديدة من المواهب، بل تضطر كذلك إلى توضيح الأدوار، وصياغة المعايير، ومراجعة البنية والثقافة والأنظمة التي تحكم عمل المجلس. ولهذا لا يقتصر الأثر على الاستقطاب، بل يمتد إلى ترك تغيير دائم في ثقافة المجلس نفسها.
مواهب وموارد جديدة
من أوضح نتائج هذا المسار أن 85% من المشاركين في الاستبانة وافقوا أو وافقوا بشدة على أن البحث المفتوح وصل منظماتهم بمجتمعات وشبكات جديدة، كما أن النسبة نفسها رأت أن مجالسها باتت تعكس نطاقًا أوسع من الخلفيات ووجهات النظر، من غير أن يسجل أي مشارك اعتراضًا على هذين الوصفين وهذه من أصرح العلامات على أن البحث المفتوح يفي بوعده الأساسي.
كذلك ظهرت مفاجأة متكررة تتعلق باتساع قاعدة المتقدمين وجَودتهم في تسع عمليات من أصل خمس عشرة عملية مدعومة، حيث تلقّت المنظمات مجتمعة 607 طلبات، بمتوسط 67 متقدمًا لكل عملية، ووسيط بلغ 51، وهذه الأرقام تهز افتراضات كثيرة حول من قد يكون المترشح مستعدًا لتخصيص وقته وموارده لخدمة المجلس بل إن بعض المجالس انتهى بها الأمر إلى ضم عدد أكبر مما خططت له أصلًا، لأن جودة المرشحين كانت أعلى من المتوقع.
كما يبدد هذا المسار بعض الأساطير الشائعة، ومنها فكرة صعوبة الوصول إلى مرشحين من خلفيات ممثلة تمثيلًا ناقصًا، لأنه عندما فُتح الباب على نحو أوسع، اتضح أن المشكلة لم تكن في غياب هؤلاء المرشحين، بل في أنهم لم يُسألوا أصلًا ومن المخاوف المطروحة أيضًا أن يؤدي فتح الباب إلى اضطرار المنظمة إلى رفض عدد كبير من المتقدمين، ومن ثم إلى إفساد العلاقة معهم.
غير أن التجارب الإيجابية مع غير المختارين كانت حاضرة، خصوصًا عندما أُدير التواصل باحترام وعناية، كما أفاد 64% من المشاركين بأن البحث المفتوح عرّفهم إلى أشخاص انخرطوا لاحقًا مع المنظمة بطرق أخرى ذات معنى.
زيادة التفاعل
في الاستقطاب التقليدي، تتقدم المنظمة إلى المرشح من موقع الحاجة، بل ومن موقع الندرة أحيانًا و أما عندما يتقدم المرشح بنفسه إلى عضوية المجلس، فإن العلاقة تبدأ على أرضية مختلفة تمامًا، لأنه يقول ضمنًا: هذا هو الوقت المناسب لكي أضع وقتي وخبرتي في خدمة هذه الرسالة. ونتيجة له ارتَفع، في عدد من التجارب، معيار المشاركة والقيادة داخل المجلس، كما أفاد 72% من المشاركين بأن عملية البحث دفعت المجلس إلى توضيح ممارسات الحوكمة أو تطويرها.
وعلاوة على ذلك، فإن أثر البحث المفتوح قد يظهر حتى قبل انضمام الأعضاء الجدد، وعندما تصبح العملية علنية، يضطر المجلس إلى أن يكون على اتفاق واضح بشأن ما الذي يبحث عنه ولماذا، ثم إلى أن يكرر هذا الفهم في العلن بصورة متسقة.
ولا يحدث هذا بالقدر نفسه في الاستقطاب التقليدي الذي يتولاه عدد قليل من الأشخاص بصمت ولهذا فإن البحث المفتوح لا يجلب أعضاء أكثر التزامًا فحسب، بل يدفع المجلس القائم كذلك إلى رفع مستوى ممارسته المهنية.
تفكير استراتيجي
عندما يرتفع مستوى التفاعل، تتحسن كذلك نوعية الأسئلة الاستراتيجية التي يطرحها المجلس يعني أنه وافق 84% من المشاركين أو وافقوا بشدة على أن البحث المفتوح حسّن التفكير الاستراتيجي والتفاعل داخل المجلس، كما رأى 90% أن الأعضاء الجدد جلبوا رؤى استراتيجية ذات معنى أثرت إيجابًا في ثقافة المجلس.
وفي عدد من الحالات، جاءت الفترة التالية للبحث مصحوبة بنمو ملحوظ، كما ظهرت زيادات في الإيرادات، ولا سيما في العطاء الفردي حتى إن أحد المشاركين لخّص التجربة بقوله إن العملية “دفعت ثمن نفسها ثلاث مرات” خلال أشهر قليلة.
والسبب في ذلك أن القادم من خارج الدائرة الضيقة يصل، غالبًا، وهو أقل تقيّدًا بالافتراضات الداخلية، ولذلك يطرح أسئلة لم تُطرح من قبل، أو يعيد مساءلة مسلمات توقف المجلس عن فحصها. وهذا هو النوع من التفكير الذي تحتاج إليه المنظمات السعودية أيضًا، لأنها تتحرك في بيئة تتحول بسرعة، ولا يكفيها مجلس يحفظ الاستمرارية فقط، بل تحتاج إلى مجلس يوسع أفق القرار.
عناصر البحث المفتوح عن أعضاء المجلس
يمكن تلخيص هذا المسار في خمسة عناصر رئيسة: الاتفاق على الحاجة إلى التغيير، وصياغة وصف واضح للدور يقدّم “الإضافة إلى الثقافة” على مجرد “الانسجام معها”، ثم فتح باب التقديم عبر عملية تنافسية منظمة، ثم اعتماد آلية اختيار تخفف التحيز، وأخيرًا إدماج دفعة من الأعضاء الجدد من خلال تهيئة مقصودة ومدروسة.
الاتفاق على الحاجة إلى التغيير
عندما يتفق أعضاء المجلس والقيادة التنفيذية على أن التغيير مطلوب فعلًا، يصبح البحث المفتوح حلًا عمليًا ذا معنى و لكن هذا الاتفاق لا يكفي وحده، بل لا بد بعده من خريطة طريق واضحة تبني الثقة في عملية عامة وممتدة.
كما أن هذا المسار، لأنه يستغرق شهورًا، قد يكشف الحاجة إلى توضيح مقصد المنظمة لشبكتها الحالية، كما قد يدفعها إلى مراجعة بعض ممارسات الحوكمة لتدعيم ثقافة مجلس أكثر شمولًا ونظرًا لذلك يساعد التواصل المتسق والشفاف مع أصحاب المصلحة على تهدئة القلق وتحويل التردد إلى اقتناع.
وصف للدور يقدّم الإضافة على التشابه
من أكثر الأفكار أهمية هنا التمييز بين “الانسجام مع الثقافة” و”الإضافة إلى الثقافة”، حيث أنّ الأول يوحي بالتطابق مع المعايير القائمة، بينما الثاني يركّز على القدرة على توسيع المنظمة ومجلسها بمرور الوقت لذلك تصبح الحاجة إلى فهم التنوع فهمًا شاملًا مسألة جوهرية، أي بوصفه تنوعًا في المهارات، والشبكات، وأنماط القيادة، والمقاربات الشخصية، والخبرات الحياتية، لا مجرد خانة شكلية.
وكلما كان تعريف الدور أدق وأكثر مهنية، كان الوصول إلى المرشح الأنسب أقرب.
عملية تقديم مفتوحة وتنافسية
هنا يظهر الفارق الحاسم بين البحث المفتوح والاستقطاب التقليدي: أن تفتح المنظمة الباب، عبر عملية منظمة، لكل من يرى في نفسه القدرة على خدمة رسالتها ونجاح هذه الخطوة يعتمد على توظيف الشبكات الممتدة والروابط الضعيفة، بحيث يصبح المجلس، والإدارة، والشركاء، والمتعاملون، وسائر من لهم صلة بالمؤسسة، سفراء للفرصة، بالنتيجة عندما يحدث هذا، لا يصبح الوصول إلى عضوية المجلس حكرًا على من يعرف الطريق إليه سلفًا.
كما أن الخوف من أن يرفض أصحاب الكفاءات العالية الدخول في عملية تقديم رسمية لا يصح دائمًا. وفي حالات كثيرة، كان الانفتاح نفسه عامل جذب، لأن من يحملون التزامًا حقيقيًا بقيم العدالة والانفتاح قد ينجذبون إلى مؤسسة اختارت مسارًا علنيًا وعادلًا، ولا يخدم هذا المسار الاستقطاب وحده، بل يعزز هوية المنظمة وعلامتها، لأنه يعلن للناس من هي، وما الذي تقدّره، وما صورتها عن المستقبل.
اختيار يخفف التحيز
بعد جمع الطلبات، تنتقل العملية إلى مرحلة المقابلات والاختيار ومن هنا تبرز الحاجة إلى معايير تقييم موحدة وأدوات فرز واضحة، حتى لا تنتهي العملية المفتوحة إلى قرار شخصي مغلف بلغة مؤسسية. وهذه المعايير لا تقف عند الكفايات الفنية، بل تمتد إلى الطريقة التي قد تضيف بها خبرة المرشح ومنظوره إلى ثقافة المجلس ورسالة المنظمة، بالتزامن يصبح من المفيد النظر إلى تكوين الدفعة الداخلة بوصفه وحدة متكاملة، لا إلى كل شخص على حدة فقط.
تهيئة دفعة جديدة بطريقة مقصودة
تأتي مرحلة الإدماج، وهي جزء حاسم من نجاح المسار، حيث أنّ إدخال ثلاثة أعضاء أو أكثر في الوقت نفسه يساعد على تغيير ديناميكيات المجلس، كما يخلق بيئة يتعلم فيها القادمون الجدد من بعضهم بعضًا، كذلك تحتاج هذه المرحلة إلى تهيئة مقصودة، وربط الأعضاء الجدد بموجّهين من داخل المجلس ينقلون لهم المعرفة المؤسسية، ويشرحون لهم ديناميكيات العمل والتوقعات.
ناهيك على أنّه بالطاقة العالية التي يأتي بها الأعضاء الجدد تحتاج إلى استثمار زمني وجهد فعلي، كي تتحول إلى أثر مستمر.
تقدّم لا كمال
مع كل ما يتيحه البحث المفتوح من فرص، فإنه لا يخلو من تحديات، وليس حلًا سحريًا، بل مسار واعد ما تزال أفضل ممارساته تتبلور مع الوقت، وبعض هذه التحديات قد يخف مع تراكم الخبرة، بينما قد يبقى بعضها جزءًا من طبيعة العملية نفسها.
استثمار كبير في الوقت
أول هذه التحديات هو الوقت خاصة وأنّ العلاقة مع المتقدمين، سواء اختيروا أم لم يُختاروا، تحتاج إلى تواصل، وتحديثات، ورسائل، وفرص متابعة تمتد أحيانًا إلى شهور أو سنوات. ولذلك شعرت بعض المنظمات بالإرهاق من حجم إدارة العلاقات التي يفرضها هذا النوع من البحث، وهو ما يجعل التفكير المبكر في توزيع هذا العبء بين المجلس والموظفين أمرًا ضروريًا.
نتائج متفاوتة في التمثيل
كذلك، فإن فتح الباب لا يضمن تلقائيًا تمثيلًا أوسع، إلا إذا صيغت العملية أصلًا بهذا القصد. فالمَنظمات التي نجحت في استقطاب مرشحين من فئات ممثلة تمثيلًا ناقصًا اتخذت قرارات مقصودة تُعلي هذا الهدف، كما كانت واضحة في نوع التنوع الذي تريده وفي الصلة المباشرة بين هذا التنوع وخدمة الرسالة. ومع ذلك، قد يظل الانضمام إلى فضاءات تعاني أصلًا من نقص التمثيل قرارًا يحمل مخاطرة مهنية وشخصية لبعض المرشحين، وهو ما يجعل المسار طويل النفس لا سريع النتائج.
توقّع شيء من التسرّب
أما التحدي الثالث فهو أن حجم الدفعات المختارة قد يقود إلى شيء من التسرّب، خصوصًا في الدفعات الكبيرة. ونُعيد بعض هذا إلى اختلاف أساليب التواصل، أو إلى غموض التوقعات في البداية، كما يذكر أن بعض المنظمات تمنّت لو كانت قد أجرت فحوصًا مرجعية أوسع. لذلك يوصي بأن تكون توقعات العضوية شديدة الوضوح منذ الوصف الأول للدور: كم عدد الاجتماعات واللجان المطلوبة، وما ثقافة المجلس في الاستجابة والتوفر، وهل توجد توقعات متصلة بالتبرع أو جمع التبرعات. فكلما اتضحت هذه الأمور مبكرًا، أصبح من الأسهل تقليل المفاجآت لاحقًا.
طريق جديد إلى الأمام
يوجد فكرة مركزية بسيطة وعميقة في آن واحد: إذا كانت المنظمات غير الربحية تعمل للصالح العام، فمن الطبيعي أن تكون الطريق إلى مجلسها أقرب إلى العموم لا إلى الإغلاق، فالوضع القائم كما يعرضه الكتّاب، لا ينتج التنوع المطلوب، كما أنه يضع المنظمات أمام مشكلة شبكات، لأن معظمها لا يحتفظ بالروابط الواسعة التي يحتاج إليها ليعمل بفاعلية. وهذا، في النهاية، يحد من إمكانات القطاع كله.
ومن هنا تبدأ الرحلة نحو مجلس أكثر فاعلية وتشبيكًا وشمولًا بقرار واعٍ يقبل التغيير ويبحث عن أصوات جديدة على نحو مقصود والبحث المفتوح عن أعضاء المجلس يقدّم طريقًا عمليًا إلى هذا الهدف، لأنه يمكّن المنظمة من بناء مجلس لا يعكس المجتمعات التي يخدمها فحسب، بل يكون أيضًا أكثر استعدادًا لمواجهة تعقيدات هذا الزمن.
وفي الحالة السعودية، قد لا يكون المطلوب أن تطبق كل منظمة النموذج كاملًا دفعة واحدة، لكن المطلوب، على الأقل، أن تتوقف عن افتراض أن الطريقة الأسهل هي دائمًا الطريقة الأنسب للمستقبل، لأنّ المجلس الذي يُبنى بالحاجة الحقيقية لا بالمجاملات، وبالإضافة لا بالتشابه، والانفتاح المنظم لا بالإغلاق الموروث، هو الأقدر على أن يمنح المؤسسة قوة أطول عمرًا وأعمق أثرًا.
هذا المقال مستفاد فكريًا من مادة منشورة في Stanford Social Innovation Review، وقد أُعيدت صياغته وتحريره وتكييفه ليتناسب مع السياق السعودي، مع حفظ الحقوق الأدبية والفكرية للمصدر الأصلي.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
