الأوقاف لم تعد خزائن هادئة: كيف تتحول الأصول الدائمة إلى درع استراتيجي للمنظمات غير الربحية؟

ع ع ع

يقدّم هذا التقرير رؤى راهنة وتحديثات حول الاتجاهات الحديثة للمنظمات غير الربحية التي تسعى إلى بناء برامجها الوقفية وقد صنّفنا هذه الاتجاهات إلى اتجاهات استثمارية واتجاهات متعلقة بجمع التبرعات، باعتبارهما الطريقين الرئيسيين لتنمية أموال الأوقاف.

في هذه الأوقات المتغيرة، تعيد كثير من المنظمات غير الربحية تقييم خططها الاستراتيجية، واستراتيجياتها الوقفية، وأهدافها في جمع التبرعات.

وفي هذا الصدد، قررت كثير منها البدء في برامج وقفية أو تنمية برامجها القائمة، من أجل بناء قوتها المالية، وتعزيز إيراداتها، وتوفير وسادة حماية في أوقات الضغوط، ويُعدّ تنويع الإيرادات موضوعًا رئيسيًا، إذ أصبحت البرامج الوقفية أولوية وصارت مجال تركيز أساسي لدى كثير من المنظمات غير الربحية، ولا سيما خلال الفترة الحالية التي تشهد تقليصًا في مخصصات بعض الوكالات الفيدرالية.

وفي الوقت نفسه، نعتقد أن المنظمات غير الربحية التي تتبنى مقاربة شمولية في بناء أوقافها ستكون أكثر قدرة على إنشاء برامج وقفية ناجحة، تشمل جمع التبرعات على المدى الطويل ومن المهم جدًا أن تراقب المنظمات غير الربحية الاتجاهات الرئيسية التي يمكن أن تؤثر في أعمالها.

في هذا المقال، يقرأ البنك الثالث أبرز الأفكار الواردة في تقرير Wilmington Trust وهي مؤسسة أمريكية متخصصة في إدارة الثروات والخدمات الائتمانية والاستثمارية، وتعمل ضمن مجموعة M&T Bank، وتصدر تحليلات مهنية موجهة للمؤسسات والأوقاف والمنظمات غير الربحية حول الاستثمار والحوكمة وتنمية الأصول طويلة الأجل بعنوان Endowments & Foundations Trends: Update for 2026 قراءة تحليلية موجهة للقطاع غير الربحي في المملكة، مع حفظ الحق الأدبي للمصدر، وإعادة تكييف ما يطرحه من نماذج وأدوات بما يساعد المنظمات السعودية على التفكير في الوقف بوصفه نظام ثقة واستدامة، لا مجرد وعاء مالي طويل الأجل.

تتعامل مؤسسة Wilmington Trust في رؤيتها لاتجاهات الأوقاف والمؤسسات المانحة لعام 2026 مع الوقف باعتباره جزءًا من منظومة واسعة تضم الاستثمار وتنمية الموارد والحوكمة والتقنية والعطاء المخطط، وهذا المعنى يستحق أن يُقرأ في المملكة بجدية نظرا إلى أن كثيرًا من الجمعيات ما زالت ترى الوقف من نافذة الأصل فقط بينما تحتاج المرحلة القادمة إلى رؤيته من نافذة الحماية المؤسسية.

في البيئة السعودية يمكن أن يبدأ السؤال من جمعية تعتمد على حملة موسمية ناجحة ثم تكتشف في العام التالي أن الحملة لم تعد تكفي ومن هنا لا يكون الحل في حملة أعلى صوتًا فقط، وإنما في بناء قاعدة مالية أطول نفسًا تحَمي البرامج من التقلب وتمنح مجلس الإدارة مساحة أهدأ لاتخاذ القرار.


من الأصل الساكن إلى وظيفة الحماية

عندما يرتبط الوقف بوظيفة الحماية يتغير موقعه داخل المنظمة و لا يعود رقمًا في الميزانية أو عقارًا في محفظة الأصول، بل يصبح جزءًا من هندسة الاستمرار التي تربط بين دخل اليوم وأمان السنوات القادمة.

تشير تجربة Wilmington Trust إلى أن الأوقاف صارت أكثر إلحاحًا مع توقع عوائد أسهم أكثر اعتدالًا وارتفاع تكاليف التشغيل وتزايد الضغوط على مصادر التمويل وهذا يضع أمام المنظمات السعودية درسًا مباشرًا: العائد الاستثماري وحده لا يصنع الاستدامة إذا لم تسانده سياسة إنفاق ونمو وحوكمة.

الجمعية التي تملك أصلًا وقفيًا دون سياسة واضحة للإنفاق قد تبدو آمنة ظاهريًا غير أن غياب السياسة يجعل العائد عرضة للاستهلاك السريع، ويجعل الأصل الطويل الأجل خاضعًا لضغط التشغيل اليومي بدل أن يكون حاميًا له.


الوقف شبه الدائم كبداية أكثر واقعية

من أكثر الأفكار التي تستحق أن تدخل إلى قاموس الجمعيات السعودية فكرة الوقف شبه الدائم وهو صندوق يخصصه مجلس الإدارة للاستثمار طويل الأجل ويحميه بقيود داخلية، حتى لو لم يكن وقفًا دائمًا مقيدًا بشروط متبرع.

هذا النموذج ظهر في حالات عرضتها Wilmington Trust لمنظمات بدأت أو درست بناء أوقاف شبه دائمة بعد هبات كبيرة أو موارد غير مقيدة، وفي السعودية يمكن لجمعية صغيرة أن تطبق الفكرة من خلال تخصيص جزء من فائض سنوي أو تبرع غير مشروط لصندوق طويل الأجل، ثم تضع له سياسة إنفاق ومراجعة سنوية بدل انتظار وقف كبير قد لا يأتي قريبًا.

ميزة هذا المسار أنه يخفف رهبة البداية و المنظمة لا تحتاج إلى أصل ضخم كي تبدأ التفكير الوقفي، ولكنها تحتاج إلى قرار منضبط يحول جزءًا من المال المتاح إلى قدرة مؤسسية تنمو مع الوقت.


الهبة الكبيرة حين تختبر الحوكمة

الهبة الكبيرة لا تكشف كرم المتبرع وحده: هي تكشف أيضًا نضج المنظمة التي تتلقاها، لأن المال غير المقيد يفتح شهية الاحتياجات كلها في الوقت نفسه.

تطرح Wilmington Trust فكرة سياسة التعامل مع الهبات الكبيرة غير المتوقعة بوصفها أداة تمنع القرارات الانفعالية وفي السياق السعودي قد تتلقى جمعية وصية أو دعمًا عائليًا كبيرًا أو منحة استثنائية، ومن دون سياسة مكتوبة قد يذوب هذا المال في توسع سريع أو مصروفات عابرة.

في هذا السياق، لا تقلل السياسة الرشيدة من فرحة العطاء وهي تمنحه عمرًا أطول، إذ يمكن أن تحدد مسبقًا نسبة للتّشغيل ونسبة للإحتياَطي ونسبة لصندوق شبه وقفي بحيث تتحول الهبة من خبر جميل إلى نقطة تحول في تاريخ المنظمة.


الخطة الاستراتيجية للوقف قبل اختيار الاستثمار

كثير من النقاش الوقفي يبدأ من سؤال: أين نستثمر؟ غير أن السؤال الأسبق هو: لماذا نحتاج الوقف أصلًا؟

تقدم Wilmington Trust مفهوم الخطة الاستراتيجية للوقف بوصفها خريطة تجمع بين نمو الأصل وسياسة الإنفاق وقبول الهبات ودور المجلس ومقارنة المنظمة بنظرائهم، وفي السعودية يمكن لهذه الخطة أن تصبح وثيقة تأسيسية لأي جمعية تفكر في الوقف، لأنها تربط بين المقصد الشرعي والحوكمة المالية والأثر المتوقع.

الفرق بين وقف يبدأ بخطة ووقف يبدأ بحماس كبير يظهر بعد سنوات ويعرف الأول حدوده ومصارفه ومؤشراته، أما الثاني فقد يبقى عنوانًا جذابًا دون أن يتحول إلى قدرة حقيقية على حماية الرسالة.


مجلس الإدارة قبل المال

لا يكفي أن يكون للوقف مجلس حسن النية و يحتاج الوقف إلى مجلس يعرف كيف يسأل عن العائد والمخاطر والإنفاق والقوة الشرائية للأصل.

زاد الطلب لدى عملاء Wilmington Trust على تثقيف مجالس الإدارة حول الأوقاف، حتى إن إحدى المنظمات أوضحت أن رئيس المجلس وحده يملك خبرة استثمارية كافية ولذلك احتاج بقية الأعضاء إلى تعليم متخصص. 

وفي النموذج السعودي نجد مجالس كثيرة تضم شخصيات موثوقة ومخلصة، غير أن المرحلة القادمة تحتاج إلى إضافة معرفة وقفية ومالية لذلك تجعل المجلس حارسًا للأصل لا مشرفًا عامًا عليه والسؤال الذي ينبغي أن يعتاد عليه المجلس ليس: كم دخل الوقف هذا العام؟ السؤال الأهم: هل حافظ الوقف على قدرته على خدمة الرسالة بعد التضخم والمخاطر وتغير الاحتياجات؟


العطاء المخطط بوصفه طريقًا هادئًا لنمو الوقف

تتسع الأوقاف حين تتحول العلاقة مع المتبرع من تبرع لحظي إلى أثر ممتد و لهذا يحضر العطاء المخطط في تجربة Wilmington Trust من خلال الوصايا والهبات الإرثية وتحديد المستفيدين وصناديق المتبرعين الموصى بها.

لا تُنقل هذه الأدوات إلى المملكة بحرفيتها القانونية والضريبية، لكن جوهرها قريب من ثقافتنا في الصدقة الجارية والوصية والوقف و تستطيع الجمعية السعودية أن تبني صفحة واضحة للوصية والوقف وتشرح للمتبرع كيف يجعل عطاءه ممتدًا، بدل أن تحصر علاقتها به في طلب دعم عاجل لحملة قريبة.

تستخدم مؤسسات مثل Hearing Health Foundation حملات مطابقة للعطاء المخطط، حيث أعلنت التزامات هبات مستقبلية ضخمة دعمت البحث العلمي في فقدان السمع ويمكن لجمعية صحية سعودية أن تستلهم الفكرة بإطلاق برنامج “أثر ممتد” يربط الهبات المؤجلة بتمويل العلاج أو البحث أو الرعاية المستمرة.


صناديق المتبرعين الموصى بها وما يقابلها محليًا

تحتل صناديق المتبرعين الموصى بها DAFs وهي صناديق خيرية يضع فيها المتبرع أمواله الآن، ثم يوصي لاحقًا بتوجيهها إلى منظمات غير ربحية يختارها موقعًا مهمًا في المادة الأصلية، إذ تشير National Philanthropic Trust وهي مؤسسة خيرية أمريكية عامة متخصصة في إدارة صناديق المتبرعين الموصى بها، وتُعد من أبرز المراجع العملية في تتبع نمو هذا النوع من أدوات العطاء طويل الأجل إلى استمرار نموها كمصدر تمويل مؤثر للمنظمات غير الربحية.

كما أضاف Dana-Farber Cancer Institute المعهد الأمريكي غير الربحي المتخصص في علاج السرطان وأبحاثه، والذي يُعد من النماذج البارزة في توظيف العطاء طويل الأجل لدعم الرعاية والبحث العلمي، من خلال إتاحة خيارات منظمة للمتبرعين لتوجيه هباتهم وأثرهم المستقبلي خيارات تجعل الصندوق مستفيدًا من كامل الحساب أو نسبة منه.

في المملكة لا تعمل هذه الأداة بالصيغة الأمريكية نفسها، غير أن الفكرة العملية مفيدة: منح المتبرع قناة منظمة لإدارة عطاء طويل الأجل مع توصية بالمصارف أو المجالات ويمكن للمنظمات السعودية أن تستلهم ذلك من خلال صناديق مخصصة داخل الوقف أو مسارات عطاء عائلية واضحة تتيح للمانح توجيه أثره ضمن حوكمة معلنة.

المهم هنا أن لا يبقى العطاء الكبير علاقة شخصية فقط و حين تُصمم المنظمة قنوات واضحة للعطاء طويل الأجل، يصبح المتبرع شريكًا في بناء المؤسسة لا مجرد ممول لحاجة مؤقتة.


التقنية كأول اختبار لجدية الوقف

تتحدث المنظمة كثيرًا عن وقفها ثم يعجز المتبرع عن فهمه من موقعها الإلكتروني و يدخل إلى الصفحة فلا يجد سياسة إنفاق ولا مصارف عائد ولا خيارات عطاء ولا إجابة عن سؤال بسيط: ماذا سيحدث لمالي؟ كذلك، تعرض المادة نماذج لاستخدام المواقع في تسهيل العطاء مثل خيار DAF DIRECT، كما تشير إلى أهمية زر التبرع وخيارات “طرق العطاء” والعطاء المتكرر.

وفي السعودية يمكن أن تبدأ الجمعية من خطوة بسيطة: صفحة وقف محترمة تشرح الهدف والحوكمة وخيارات التبرع ومصارف العائد وتعرض تقريرًا دوريًا مختصرًا، والتقنية هنا ليست تجميل تكميلي ولكنها الواجهة التي يختبر فيها المتبرع جدية المنظمة، وكل غموض في الصفحة الرقمية يضعف الثقة حتى لو كان العمل الميداني جيدًا.


الشفافية المالية من واجب نظامي إلى لغة ثقة

حين يتعلق الأمر بالوقف تصبح الشفافية جزءًا من قيمة المنتج نفسه ويحتاج المتبرع الذي يضع ماله في أصل طويل الأجل أن يرى ما يطمئنه لا أن يسمع وعدًا عامًا.

نورد من خلال هذه المادة مثال United Way of Southern Maine وهي منظمة غير ربحية أمريكية محلية تعمل على معالجة قضايا مجتمعية مثل السكن والغذاء ورعاية الأطفال، وتُعد مثالًا عمليًا على توظيف الشفافية المالية في بناء ثقة المتبرعين من خلال عرض معلومات المساءلة والبيانات المالية بوضوح، بحيث يعرض قسمًا للمساءلة والبيانات المالية، كما تشير إلى منظمات تعرض التقارير السنوية والقوائم المدققة ونموذج IRS Form 990 وسياسات الاستثمار وقبول الهبات. 

وفي السعودية يمكن ترجمة ذلك بنشر التقرير السنوي والقوائم المالية المعتمدة وسياسة قبول الهبات وملخص سياسة الوقف بلغة واضحة للمتبرع لا بلغة محاسبية مغلقة، وبهذه الطريقة تتحول الشفافية من امتثال إلى أداة تنمية موارد لأن الواقف أو المتبرع الكبير يبحث عن مؤسسة تستحق الزمن، والوضوح يمنحه سببًا إضافيًا للثّقة.


الذكاء الاصطناعي حين يخدم العلاقة لا الضجيج

تقدم تجربة الشركة التقنية الأمريكية المتخصصة في حلول جمع التبرعات للمنظمات غير الربحية Givzey | Version2.ai التي عرضتها القيادية Emily Groccia زاوية جديدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تنمية الموارد بحيث لم تعد الفكرة مقتصرة على تحليل البيانات أو كتابة الرسائل، بل امتدت إلى مسؤول تفاعل افتراضي يساعد على بناء علاقات مع متبرعين لا تستطيع الفرق البشرية الوصول إليهم فرديًا.

في السعودية يمكن الاستفادة من هذه الفكرة بحذر و قد تستخدم الجمعية أدوات ذكية لفهم اهتمامات المتبرعين وتصنيف المهتمين بالوقف والوصايا والصدقة الجارية، حتى تبني لهم بعد ذلك محتوى تعريفيًا متدرجًا دون أن تفقد العلاقة طابعها الإنساني.

المعيار الحاسم أن تبقى التقنية خادمة للثقة ويزيد الذكاء الاصطناعي السيئ الضجيج، وأما الاستخدام الرشيد فيجعل المنظمة أقدر على الإصغاء والمتابعة واحترام خصوصية المتبرع.


ماذا يعني ذلك للمنظمة السعودية؟

الصورة التي تتشكل من هذه النماذج واضحة: الوقف الحديث لا يبدأ من الأصل وحده هو يبدأ من قرار مؤسسي يرى المال الطويل الأجل جزءًا من حماية الرسالة، ثم يضع حوله سياسة ومجلسًا متعلمًا وصفحة واضحة ومسارًا للعطاء المخطط وشفافية قابلة للفحص.

يمكن للمنظمة السعودية أن تبدأ بخطوات متدرجة و تنشئ احتياطيًا تشغيليًا رسميًا، ثم تدرس تخصيص صندوق شبه دائم، وبعد ذلك تكتب سياسة للهبات الكبيرة وتدرب مجلس الإدارة وتطور صفحة الوقف وتبني برنامجًا للعطاء طويل الأجل.

ليست قيمة هذه الخطوات في حجمها الأول ولكن قيمتها في أنها تنقل المنظمة من انتظار الدعم إلى بناء القدرة، ومن إدارة التبرعات إلى إدارة الثقة، ومن الاستدامة كشعار إلى الاستدامة كنظام داخلي.

لم تعد الأوقاف خزائن هادئة في طرف الميزانية ولكنها ذاكرة مالية للمنظمة، ودرع يحمي رسالتها، وجسر بين حاجة اليوم وطمأنينة الغد وكلما أدركت المنظمات غير الربحية أن الوقف ليس نهاية حملة جمع التبرعات بل بداية نضج مؤسسي طويل، اقتربت من تحويل الأصول الدائمة إلى أثر دائم.

المصدر: كُتب هذا المقال بتصرف تحليلي اعتمادًا على تقرير Wilmington Trust بعنوان: Endowments & Foundations Trends: Update for 2026، مع تكييف الأفكار بما يناسب واقع المنظمات غير الربحية في المملكة العربية السعودية.


  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top