في خبر نشره موقع Civil Society البريطاني، يبرز إطلاق وقف مخصص لجمعيات النساء بوصفه أكثر من مبادرة تمويلية جديدة؛ إنه نموذج يعيد طرح سؤال جوهري على القطاع غير الربحي: كيف يمكن أن يتحول رأس المال طويل الأجل إلى أداة لإنصاف المنظمات المتخصصة، لا مجرد دعمها مؤقتًا؟ في هذا المقال، يقرأ البنك الثالث التجربة من زاوية الاستدامة، والحوكمة، وعدالة الوصول إلى الموارد.
حين تتراجع موارد المنظمات المتخصصة، لا تظهر المشكلة في حجم المال المتاح وحده، وإنما في طريقة وصوله، ومدى قدرته على منح المنظمة وقتًا كافيًا للتخطيط، وبناء الفريق، وتطوير الخدمة، وقياس الأثر. ولهذا تبدو المنح القصيرة، رغم أهميتها، عاجزة أحيانًا عن معالجة الاختلالات العميقة في القطاعات التي تحتاج إلى معرفة تراكمية ونَفَس مؤسسي طويل.
من هذه الزاوية يكتسب خبر إطلاق Women’s Forever Fund في المملكة المتحدة أهمية تتجاوز الإعلان عن صندوق جديد، لأنه يفتح سؤالًا أوسع حول قدرة التمويل الخيري على معالجة الفجوات المزمنة، خصوصًا حين تكون المنظمات المعنية ذات أثر واضح، لكنها لا تحظى دائمًا بموقع عادل داخل خرائط المنح والاستثمار الاجتماعي.
الصندوق الذي أُعلن عنه في مجلس اللوردات البريطاني يوصف بأنه أول وقف بريطاني مخصص لدعم جمعيات النساء، وتقف خلفه Women’s Resource Centre، وهي جهة تمتد علاقتها إلى آلاف المنظمات النسائية في أنحاء المملكة المتحدة، ما يمنح المبادرة قيمة تتجاوز البعد المالي، لأنها لا تنطلق من تصور نظري عن الاحتياج، وإنما من خبرة ميدانية قريبة من واقع الجمعيات وخدماتها وتحدياتها اليومية.
تقوم الفكرة على توظيف جزء من الأصول الخاملة في تأسيس مورد مستدام، والمقصود بهذه الأصول أموال أو حسابات بقيت غير مستخدمة لفترات طويلة، ثم يعاد توجيهها وفق أطر نظامية إلى مبادرات ذات نفع عام. بهذه الصيغة يتحول المال الساكن إلى طاقة اجتماعية جديدة، قادرة على دعم الخدمات المتخصصة، وحماية الخبرات، ومنح الجمعيات مساحة أكبر للتحرك بعيدًا عن ضغط التمويل المؤقت.
الأهمية الحقيقية في هذا النموذج أنه يتعامل مع جمعيات النساء بوصفها مؤسسات تمتلك خبرة متراكمة وتخدم قضايا حساسة، وتحتاج إلى تمويل ينسجم مع طبيعة عملها. فالمنظمة التي تعمل في التمكين، أو الحماية، أو الدعم النفسي والاجتماعي، أو العدالة الاجتماعية، لا تستطيع بناء أثر عميق وهي تعيد في كل عام شرح حاجتها، وتبحث في كل دورة عن منحة جديدة، وتؤجل تطويرها الداخلي لأن مصدر الدخل لا يمنحها يقينًا كافيًا.
وتشير البيانات التي استندت إليها المبادرة إلى أن الجمعيات النسائية في بريطانيا حصلت في سنوات سابقة على نسبة محدودة من المنح الخيرية، غير أن قيمة هذه الإشارة لا تقف عند الرقم نفسه، بل تكشف عن نمط تمويلي يترك بعض المجالات عالية الأثر خارج مركز الاهتمام. هنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن للقطاع الخيري أن ينصف المنظمات التي تقوم بعمل ضروري، لكنه لا يظهر دائمًا في الصورة الأكثر جاذبية للمانحين؟
من هنا تبرز قيمة الوقف كأداة استراتيجية، لأنه لا يكتفي بتقديم دعم ينتهي بانتهاء المشروع، وإنما يصنع أصلًا قادرًا على توليد موارد متكررة، وكلما وُجّه هذا الأصل إلى قطاع يعاني نقصًا مزمنًا في الاستثمار، تحوّل الوقف إلى وسيلة لإعادة التوازن، وحماية الخدمات المتخصصة، وتقليل هشاشة المنظمات أمام تقلّب المنح والدورات التمويلية القصيرة.
تطمح المبادرة البريطانية إلى بناء صندوق كبير يستثمر أمواله وفق معايير أخلاقية، ثم يوجّه العوائد إلى منح طويلة الأجل لصالح الجمعيات النسائية. وهذه الصيغة تستحق التوقف عندها لأنها تجمع بين الاستثمار المسؤول والعدالة التمويلية، وتجعل المال يعمل في اتجاهين متكاملين: حفظ الأصل وتنميته من جهة، وتمكين المنظمات الأقل حضورًا في التمويل التقليدي من جهة أخرى.
وبالنسبة إلى القطاع غير الربحي العربي والسعودي، يقدم هذا النموذج درسًا واضحًا؛ فالاستدامة لا تبدأ دائمًا من زيادة التبرعات، وإنما من إعادة تصميم أدوات التمويل بما يناسب طبيعة الاحتياج. هناك مجالات اجتماعية وتعليمية وصحية وتنموية لا تكفيها الاستجابة المؤقتة، وهناك منظمات تمتلك معرفة عميقة بالميدان، لكنها تظل محدودة الأثر حين يبقى تمويلها مرتبطًا بمشاريع قصيرة لا تسمح ببناء قدرات راسخة.
إن تجربة Women’s Forever Fund تذكّرنا بأن الوقف يمكن أن يكون أكثر من وعاء لحفظ المال، إذ يمكن أن يتحول إلى أداة لتوجيه رأس المال نحو الفجوات التي لا يراها التمويل التقليدي بسرعة. وعندما يلتقي الوقف بالمعرفة القطاعية، والحوكمة، والاستثمار الأخلاقي، يصبح قادرًا على نقل المنظمات من دائرة النجاة المؤقتة إلى مساحة التخطيط الهادئ والأثر الممتد.
لذلك لا ينبغي قراءة هذه التجربة كخبر بريطاني عابر، وإنما كإشارة إلى تحوّل أوسع في التفكير الخيري؛ من تمويل البرامج وحدها إلى تمويل قدرة المنظمات على الاستمرار، ومن المنح القصيرة إلى رأس المال الصبور، ومن التعامل مع الاحتياج بعد ظهوره إلى بناء أدوات تقلل هشاشة التمويل قبل أن تتحول إلى أزمة متكررة.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
