الفصل الغائب: تأملات مفاهيمية في الفارق بين "الخيري" و"غير الربحي" في السياق السعودي

ع ع ع

سلطة اللغة على الأطر التنظيمية

في الدراسات المعاصرة حول التنظيم المؤسسي للقطاع غير الربحي، تبيّن أن اللغة ليست مجرد وعاء ناقل للمفاهيم، بل هي قوة مُنظِّمة تُملي علينا كيف نرى العالم، وكيف نصمّم السياسات، بل كيف نحاكم الأثر. من هنا، فإن الخلط المفاهيمي بين "الخيري" (Charity) و"غير الربحي" (Nonprofit) ليس مجرد التباس لغوي، بل هو إرباك بنيوي يعوق بناء هوية قطاع مستقل قادر على تجديد نفسه، وتوسيع مجاله، وتنويع نماذج عمله.

المقال المنشور على منصة Indeed تحت عنوان:
يقدّم تفريقًا جوهريًا، لكنه في الحقيقة يُعيدنا إلى سؤال فلسفي أعمق:
هل يمكن لكيان أن يكون غير ربحي، دون أن يكون خيريًا؟ وإذا كان الجواب نعم، فلماذا لا يزال الخطاب العام – في السعودية تحديدًا – يُصرّ على استخدام "الخيري" كمرادف لـ"غير الربحي"؟

التفكيك المفاهيمي: "الخيري" كعاطفة، و"غير الربحي" كهيكل

"الخيري" من حيث الاشتقاق اللغوي والاجتماعي، يحيل إلى فعل إنساني عاطفي الطابع، يتّجه نحو الاحتياج والعطاء والإغاثة. وهو مفهوم نشأ تاريخيًا في سياق الأديان والمجتمعات الزراعية والأسر الممتدة، حيث تتداخل الرعاية بالقرابة.

أما "غير الربحي"، فهو توصيف تنظيمي قانوني، يعرّف الكيان من خلال ما لا يفعله: لا يوزّع أرباحًا على أصحابه. وهو مفهوم نشأ في سياق الدولة الحديثة، التي تحتاج إلى تصنيف الكيانات حسب وظيفتها المالية والإدارية، لا نواياها.

إذن، العلاقة بينهما ليست ترادفًا بل تقاطعًا جزئيًا:
كل كيان خيري هو غير ربحي، لكن ليس كل غير ربحي هو خيري.

يرى المقال المنشور على منصة Indeed أن الجمعية الخيرية (Charity) تُركّز على تقديم المنفعة المباشرة للمجتمع، وغالبًا ما تعتمد على التبرعات وتعمل في مجالات مثل التعليم، الرعاية الصحية، الثقافة، أو حماية الحيوان. أما المنظمة غير الربحية (Nonprofit)، فهي كيان لا يسعى لتوزيع الأرباح على أصحابه، لكنه قد يعمل في مجالات أوسع تشمل الرياضة، الأبحاث، النقابات، أو الأندية الاجتماعية، مع احتفاظه بالصفة غير الربحية.

هذا التفريق مهم في السياق السعودي، إذ إن الجمعيات الأهلية لدينا تمارس أعمالًا خيرية بحتة وتُمول عبر التبرعات والزكوات، بينما الشركات غير الربحية – تحت إشراف وزارة التجارة – قد تعمل في ميادين مثل التقنية أو التعليم أو التوظيف، لكنها تُعد قانونيًا من القطاع غير الربحي دون أن تُصنّف خيريًا بالمعنى التقليدي.

وبينما تنتمي الجمعيات الخيرية إلى منطق "العطاء المباشر"، تُبنى المنظمات غير الربحية – خاصة تلك ذات الطابع المؤسسي – على منطق "الاستدامة والتأثير المتخصص"، حتى وإن كانت غير مألوفة في الوجدان العام الذي لا يزال يربط "الخير" فقط بمساعدة المحتاج.


التجربة السعودية: تمايز تنظيمي، لكن بعبارات متشابكة

تُعتبر المملكة العربية السعودية من الدول القليلة التي فصلت مؤسسيًا بين نماذج غير ربحية متعددة:

  • الجمعيات الأهلية (ذات طابع خيري وتنموي واضح): تحت إشراف المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.

  • المؤسسات الأهلية (قد تكون مانحة أو منفذة): تخضع لنفس المركز.

  • الشركات غير الربحية: تحت إشراف وزارة التجارة، وهي تخضع لنظام الشركات، لكنها لا توزّع الأرباح.

لكن على الرغم من هذا الفصل التشريعي، لا يزال الخطاب العام – بل حتى الخطاب الإعلامي الرسمي – يُطلق على الجميع تسمية "القطاع الخيري"، مما يخلق مفارقة معرفية بين الهيكل والمنطوق.


خطورة الدمج المفاهيمي: تآكل فرص التوسّع والنمذجة

هذا الخلط لا يمر بلا تبعات، بل يُنتج خمس إشكاليات على الأقل:

  1. تقييد الأثر: إذ يُفهم أن القيمة غير الربحية يجب أن تكون دائمًا عاطفية وإغاثية، لا استراتيجية أو معرفية أو ثقافية.

  2. نزع الشرعية عن الشركات غير الربحية: لأنها لا تُرى كجزء من "الخير"، فتُتهم بالتحايل أو بالربح المقنّع.

  3. انكماش الخيال التنظيمي: فلا تُبنى كيانات حقوقية أو بيئية أو ثقافية لأن "العمل الخيري" لا يشملها.

  4. صعوبة الوصول إلى التمويل: لأن الجهات المانحة لا ترى إلا "المحتاج والمُحسن"، ولا تفهم "الاستثمار الاجتماعي".

  5. ضعف الحوكمة التخصصية: لأن أدوات القياس والتقويم تُصمم بمنطق التبرع لا بمنطق الأثر.


نحو خطاب جديد: الفصل كأداة للتمكين لا للتفريق

ليس المطلوب هنا فصلًا فصاميًا بين الخير والاستدامة، بل العكس: التمييز بين "الخيري" و"غير الربحي" هو ما يسمح لهما بالتكامل دون إذابة الحدود. فالخيري يتعامل مع الحاجات العاجلة، بينما غير الربحي (الأوسع) يُؤسس للأنظمة والحلول والسياسات طويلة الأمد.

نحن بحاجة إلى أن نعيد كتابة معجم القطاع:

  • الجمعية التي تُعنى بكفالة الأيتام: خيري.

  • الشركة التي تطور حلولًا لتوظيف ذوي الإعاقة: غير ربحية تنموية.

  • المؤسسة التي تُصدر تقارير بحثية وتدير منصة معرفة: غير ربحية فكرية.

  • المبادرة التي تُقيم منتدى حول السياسات العامة: غير ربحية تخصصية.


تأمل معي:

في التحولات التي تقودها رؤية السعودية 2030، ومع التوسع المتسارع في التشريعات والكيانات، آن الأوان لأن نُعيد تشكيل "اللغة الحاكمة" للقطاع غير الربحي. فاللغة ليست أداة للتواصل فقط، بل هي عدسة نرى بها ما يستحق أن يوجد.

التمييز بين "الخيري" و"غير الربحي" ليس نزعة تصنيفية، بل موقفٌ من المستقبل: هل نريده مشبعًا بالعطاء فقط، أم مشبعًا بالابتكار والمؤسسات والاستدامة أيضًا؟

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top