تُعد مسألة الاحتفاظ بالمانحين واحدة من أكثر التحديات إلحاحًا أمام المنظمات غير الربحية على مستوى العالم. وفي المملكة العربية السعودية، حيث يشهد القطاع غير الربحي نموًا متسارعًا مدفوعًا برؤية 2030، يصبح النقاش حول هذا الموضوع ضرورة ملحة.
في هذا السياق، جاء طرح الأمين العام للجمعية الخيرية الصحية لرعاية المرضى "عناية"، الدكتور سلمان المطيري، عبر منصة إكس، ليضع المشكلة في إطارها الواقعي ويضيء على أبعادها العملية.
بين الرقم والواقع
استند الدكتور المطيري إلى تقرير جمعية خبراء جمع التبرعات الأمريكية (AFP, 2023)، الذي أظهر أن متوسط الاحتفاظ بالمانحين عالميًا يتراوح بين 55% و60% بعد السنة الأولى. هذه النسبة – رغم كونها عالمية – تتقاطع بشكل مباشر مع واقع جمعياتنا المحلية التي تواجه تحدي "التسرب" بعد السنة الأولى من العطاء.
لكن ما يميز طرحه هو الموضوعية في تشخيص الأسباب؛ فالتوقف عن التبرع ليس دومًا مسؤولية الجمعية. قد يكون المانح مرّ بظرف اقتصادي، أو تغيّرت أولوياته، أو واجه أسبابًا شخصية. وفي المقابل، قد يكون الخلل داخليًا في الجمعية نفسها، مثل ضعف التواصل، غياب تقارير الأثر، أو قلة التقدير المعنوي.
كلفة التسرب
لفت الدكتور المطيري النظر إلى أن استقطاب مانح جديد يكلف من 5 إلى 7 أضعاف المحافظة على مانح حالي. هذا الرقم يسلّط الضوء على معضلة حقيقية: إهدار الموارد والجهد في الاستقطاب المستمر بدل الاستثمار في الحفاظ على العلاقة القائمة.
إضافة إلى ذلك، يترتب على التسرب آثار أخرى: فجوات في التمويل تهدد استدامة البرامج، انعكاس سلبي على سمعة الجمعية حين ينقل المانح تجربته غير المرضية، تراجع ثقة الشركاء الكبار، وأخيرًا ضياع البيانات والعلاقات التي تم بناؤها عبر سنوات.
من التوصيف إلى الحل
القيمة المضافة في طرح الدكتور المطيري لا تكمن فقط في تشخيص المشكلة، بل في تحويلها إلى أجندة عمل. فهو يقترح بوضوح:
-
بناء نظام متابعة وتحليل دوري لأسباب التسرب.
-
وضع خطة عملية للمحافظة على المانحين.
-
التركيز على مؤشرين رئيسيين: معدل الاحتفاظ السنوي ومعدل عودة المنقطعين.
بهذا، تصبح البيانات ليست مجرد أرقام في تقارير، بل بوصلة لاتخاذ القرار المؤسسي.
ما الذي يعنيه ذلك للقطاع المحلي؟
يمثل هذا الطرح نقلة من التفكير الانفعالي ("خسرنا مانحين") إلى التفكير الاستراتيجي ("كيف نقيس ونعالج ونتحسن؟"). وهو ما تحتاجه الجمعيات في السعودية اليوم:
-
تحويل إدارة العلاقة مع المانحين إلى وظيفة مؤسسية، وليست اجتهادًا فرديًا.
-
إعادة تعريف الاستدامة المالية لتشمل ثقة المانحين ورضاهم، لا مجرد تنويع مصادر الدخل.
-
بناء شراكات قائمة على الأثر، حيث يصبح تقرير الأثر والتقدير المعنوي أدوات عملية للحفاظ على المانحين.
إن تسليط الضوء على قضية الاحتفاظ بالمانحين من قبل قيادي ممارس مثل د. سلمان المطيري يعكس نضجًا في الخطاب غير الربحي المحلي، ويضع الجمعيات أمام مسؤولية تطوير أدواتها، لا لمجاراة الأرقام العالمية فحسب، بل لتحقيق استدامة قائمة على الثقة والشفافية والتقدير.
فالمانح، في نهاية المطاف، ليس مجرد رقم في قاعدة بيانات؛ بل هو شريك في الأثر، وخسارته لا تُقاس فقط بالمال، بل بما يترتب عليها من فجوات في الثقة والاستمرارية.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
