خارطة الطريق إلى الامتثال: قراءة قانونية في نظام جمع التبرعات الجديد

ع ع ع

أولاً: مقدمة النظام

يمثل نظام جمع التبرعات الجديد ولائحته التنفيذية تحولًا نوعيًا في بنية الحوكمة والامتثال داخل القطاع غير الربحي السعودي، بعد أن ألغى النظام القديم المسمى «لائحة جمع التبرعات للوجوه الخيرية» واستبدله بإطار تشريعي أكثر صرامة وتكاملًا.
يهدف هذا النظام إلى تحقيق ثلاثة مقاصد رئيسية:

  1. حماية أموال المتبرعين من أي ممارسات غير نظامية.

  2. رفع مستوى الشفافية والمساءلة في عمليات الجمع والصرف.

  3. تمكين الجمعيات المرخصة من ممارسة جمع التبرعات في بيئة نظامية آمنة ومنضبطة.


ثانيًا: الأطراف النظامية في عملية جمع التبرعات

وفقًا للمادة الأولى من النظام، تتحدد العلاقة النظامية بين طرفين رئيسيين:

  1. الجهة المرخِّصة:
    وهي المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، المخول حصريًا بمنح تراخيص جمع التبرعات ومراقبة التزام الجمعيات بالأنظمة ذات الصلة.

  2. الجهة المرخَّص لها:
    وتشمل الجمعيات أو المؤسسات الأهلية التي حصلت على ترخيص نظامي ساري المفعول لجمع التبرعات.
    ملاحظة قانونية: mere التسجيل في المركز لا يمنح الحق في جمع التبرعات، إذ نصت المادة الثانية صراحة على وجوب الحصول على ترخيص خاص لكل حملة.


ثالثًا: شرط الجنسية والإدارة القانونية للحملة

أقرت المادة الثانية من النظام أن جميع القائمين على عمليات جمع وصرف التبرعات يجب أن يكونوا سعوديي الجنسية، سواء كانوا أعضاء في مجلس الإدارة أو موظفين مباشرين على الأنشطة ذات العلاقة.
الغاية النظامية من هذا الشرط هي:

  • ضمان المساءلة القانونية المباشرة أمام الجهات الرقابية السعودية.

  • تعزيز الثقة العامة في المنظمات المحلية بوصفها مؤسسات وطنية مسؤولة عن إدارة المال العام الخيري.


رابعًا: نطاق أهداف الجمع وصرف الأموال

حددت المادة الثالثة نطاق استخدام التبرعات بشكل صارم، إذ لا يجوز لأي جهة جمع تبرعات إلا للأغراض المحددة في نظامها الأساسي والمقرة عند الترخيص.
ولا يجوز تحويل أي جزء من التبرعات إلى مشاريع أو أغراض أخرى إلا بعد الحصول على موافقة خطية مسبقة من المركز.
وبذلك يكون النظام قد وضع حدًا واضحًا لأي ممارسة توسعية أو اجتهادية في الصرف، وربطها مباشرة بالغرض النظامي للجمعية.


خامسًا: فلسفة الامتثال في النظام الجديد

النظام لا ينظر إلى الامتثال كإجراء شكلي، بل كجزء من حوكمة العمل الخيري، وهو ما يتسق مع ما نصت عليه:

  • اللائحة التنفيذية لنظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية (2025) التي شددت على التزام الجمعيات بالأنشطة المرخصة فقط.

  • قواعد الحوكمة الصادرة عن المركز الوطني، التي تؤكد على الشفافية والإفصاح المالي الكامل في جميع مراحل جمع التبرعات وصرفها.

هذا التكامل التشريعي بين النظام واللوائح يجعل من الامتثال واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا يضمن استدامة الثقة بين الجهات الخيرية والدولة والمجتمع.


سادسًا: نحو التزام مستدام

يمكن تلخيص التزامات الجمعيات والمؤسسات الأهلية في ثلاث محاور عملية تشكل "خارطة الطريق إلى الامتثال":

  1. قبل الحملة:

    • الحصول على الترخيص من المركز الوطني.

    • تحديد الغرض، المدة، والمبلغ المستهدف بدقة.

  2. أثناء الحملة:

    • الالتزام بوسائل الجمع المعتمدة نظامًا (منصات، حسابات بنكية مخصصة).

    • منع أي وساطة أو جمع خارج الإطار المصرّح به.

  3. بعد الحملة:

    • تقديم تقرير مالي تفصيلي للمركز خلال المدة المحددة.

    • الإفصاح للمجتمع عن النتائج وفق مبادئ الشفافية.


إن نظام جمع التبرعات الجديد ليس مجرد تحديث إداري، بل هو إعادة هندسة قانونية للثقة بين المتبرع والمنظمة والمشرّع.
فمن خلال الامتثال الصارم، تتحول الجمعيات من كيانات تُمارس العمل الخيري إلى مؤسسات وطنية خاضعة للمساءلة والحوكمة، تسهم في ترسيخ العدالة والشفافية وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء قطاع غير ربحي فاعل ومستدام.

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top