هذا المقال مستفاد فكريًا من مادة منشورة حول تجربة مركز كارتر بعد وفاة مؤسسه، وقد أُعيدت صياغته وتحريره بما يناسب جمهور القطاع غير الربحي في «البنك الثالث»، مع حفظ الحقوق الأدبية للمصدر الأصلي.
في القطاع غير الربحي، لا تبدأ هشاشة المنظمة يوم يتراجع تمويلها فقط ولكنها قد تبدأ أيضًا في اللحظة التي تكتشف فيها أن حضورها كان قائمًا على شخص أكثر مما كان قائمًا على رسالة.
حين تغيب الكاريزما وتبقى الرسالة: ماذا تعلّمنا تجربة مركز كارتر عن مستقبل المنظمات بعد مؤسسيها؟
تنمو بعض الكيانات تحت ظل مؤسس ملهم، واسع التأثير، حاضر في الصورة والقرار والتمويل والعلاقات، حتى يبدو فصل المؤسسة عنه أمرًا بالغ الصعوبة، غير أن اللحظة الحاسمة لا تكون في صعود هذا المؤسس إنما تتجلى في اليوم الذي يغيب فيه: هل تبقى المنظمة بعده لأنها بنت معنى قابلًا للاستمرار، أم يتبين أنها كانت تعيش على كاريزما فرد أكثر مما تعيش على بنية مؤسسية راسخة؟
هذا السؤال هو ما يجعل تجربة مركز كارتر جديرة بالتأمل، فالمركز الذي ارتبط اسمه طويلًا بالرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر لم يكن يواجه بعد وفاته مجرد حالة حزن على مؤسس استثنائي. إلى جانب ذلك، كان أمام اختبار مركب: كيف يواصل رسالته من دون الرجل الذي منحها جزءًا كبيرًا من حضورها الرمزي؟ وكيف يعيد ترتيب أولوياته في وقت يمر فيه أيضًا بتحديات تمويلية ضاغطة؟ عند هذه النقطة لم تعد المسألة مرتبطة بحفظ الإرث بوصفه ذكرى فقط وإنما صارت متصلة بقدرة المؤسسة على تحويل هذا الإرث إلى حياة مستمرة.
تقول نيكول كروز Nicole Kruse، نائبة الرئيس التي أمضت أكثر من عقدين في جمع التبرعات لصالح المركز، إن المؤسسة ما تزال ملتزمة بأن تظل قيم جيمي كارتر Jimmy Carter مؤثرة في خططها للمستقبل. في المقابل، لا تأتي أهمية التجربة من خصوصية المركز وحدها إذ تكشف معنى أوسع يتجاوز الحالة نفسها.
فسوزانا كيسلينكو Susanna Kislenko، التي تقود مختبر أبحاث قيادة المؤسس في جامعة أكسفورد Oxford، ترى أن المؤسسين يأتون إلى منظماتهم بما يشبه “السحر غير المعلن”، أي ذلك الأثر الذي يصعب تدوينه في اللوائح، لكنه يظهر بوضوح في الثقة، والرمزية، والقدرة على الحشد، وتجسيد الرسالة في شخص واحد، وعليه فإن مغادرتهم قد تمثل نقطة تحول مفصلية في حياة المنظمة.
ومع ذلك، فإن الفكرة الأهم هنا لا تتمثل في استحالة تعويض المؤسس، حيث الأجدر بالانتباه هو ضرورة الحفاظ على الصفات التي جعلت الناس ترتبط بالمنظمة منذ البداية. نظرا إلى أنّ التحدي الحقيقي أمام القيادة الجديدة لا يتمثل في استنساخ الشخصية المؤسسة، بل ما يلزم فعلاً هو الإبقاء على الروح العامة للمؤسسة، مع الوفاء للرؤية التي ألهمت تأسيسها، ونقلها من مستوى الجاذبية الشخصية إلى مستوى القدرة المؤسسية على الاستمرار.
ولم يكن رحيل كارتر التحدي الوحيد أمام المركز، إلى جانب ذلك واجه بعد وفاته تخفيضات تمويلية من إدارة ترامب، وهو ما وصفته كروز بأنه تغييرات غير مسبوقة وغير متوقعة أثرت مباشرة في مجالي العمل الرئيسيين للمركز: برامج السلام والبرامج الصحية. وعلى الرغم من ذلك، ظل المركز متمسكًا بأن تكون قيم كارتر جزءًا من تشكيل مستقبله، لا من باب الوفاء العاطفي فقط، وإنما من باب توجيه القرار في مرحلة مضطربة.
نصائح للتعامل مع رحيل المؤسس
تقترح كيسلينكو ثلاث خطوات رئيسية لضمان انتقال أكثر سلاسة بعد مغادرة المؤسس، و تبدأ هذه الخطوات من نقطة كثيرًا ما تُؤجَّل في منظماتنا العربية حتى تصبح أزمة، وهي خطة التعاقب حيث يُعرف أنّ أسوأ ما قد تواجهه أي مؤسسة هو أن تصل إلى لحظة الغياب من دون استعداد أو تصور واضح لما بعدها، و لذلك لا يكفي أن يكون لدى مجلس الإدارة رغبة عامة في الاستمرار.
والمطلوب أن تتوافر استراتيجية تعاقب واضحة، يفهمها المعنيون، ويعرفها المانحون، ويُطمأن من خلالها إلى أن المرحلة الجديدة ليست قفزة في المجهول.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في اصطحاب الجميع في الرحلة، والمنظمة لا تعبر مرحلة ما بعد المؤسس إذا ظلت الرؤية الجديدة حبيسة دائرة ضيقة من أعضاء المجلس أو القائد التالي ولكن من الضروري هنا أن يوجد حديث صريح عن إرث المؤسس، وما الذي سيستمر، وما الذي قد يتغير فضلًا عن إشراك أصحاب المصلحة في فهم الاتجاه المقبل يحد من الفراغ الذي تتسع فيه التأويلات والقلق.
ثم تأتي الخطوة الثالثة، وهي الأكثر حساسية، وتتمثل في تقييم قوة الرسالة نفسها، فبعض المنظمات تكون مرتبطة بالمؤسس أكثر من ارتباطها برسالة واضحة وقابلة للحياة بعده وإذا كانت الرسالة ما تزال قوية وذات صلة، فينبغي البناء عليها وأما إذا لم تكن كذلك، فقد لا يكون الإصرار على الاستمرار دليل وفاء.
في أحيان كثيرة قد يكون هروبًا من الاعتراف بأن الكيان كان هشًا منذ البداية. وعلى قسوة هذه الفكرة، فإنها تحمل قدرًا كبيرًا من النضج. فليس كل ما بدأ جيدًا يملك تلقائيًا مقومات البقاء.
التركيز على الأولويات الأساسية
في مطلع عام 2025، خسر مركز كارتر منحًا فدرالية كانت تمثل 11% من تمويله، وعلى الرغم من أن هذا النوع من الصدمات أصاب جهات عديدة، فإن وقعه على المركز كان مضاعفًا والسبب في ذلك أن القيادة كانت في الوقت نفسه مطالبة بالإجابة عن أسئلة المانحين بشأن تغير المشهد التمويلي، بينما لا تزال الفعاليات قائمة لإحياء حياة جيمي كارتر وإرثه.
عندئذ لم يعد على المركز أن يحافظ على صورته فقط. صار عليه كذلك أن يشرح كيف سيواصل العمل في بيئة أقل استقرارًا.
وتوضح كروز أن القادة حرصوا على إعادة تذكير المانحين بإرث جيمي كارتر وزوجته روزالين Rosalynn، وبأن المركز “يصنع السلام، ويحارب المرض، ويبني الأمل”، وأنه يريد الاستجابة لاحتياجات الفئات الأكثر هشاشة في العالم، لأن تلك كانت قيم عائلة كارتر. ثم انطلاقًا من ذلك، أعادت القيادة ترتيب الأولويات وقررت التركيز على مجالين استراتيجيين: مكافحة العمى النهري، وهو مرض طفيلي، وتعزيز الديمقراطية في أنحاء العالم.
وفي هذه النقطة تبرز قاعدة مؤسسية بالغة الأهمية ولا تنجو المنظمة في أوقات الاضطراب بكثرة البرامج، الذي ينفعها حقًا هو وضوح الجوهر عندما يتراجع التمويل أو يغيب المؤسس أو يتغير السياق، وبالتالي يصبح السؤال الأكثر أهمية هو: ما الذي لا يمكننا التنازل عنه؟ وما المجال الذي يمثل قلب الرسالة فعلًا؟ والمنظمة التي تعرف جواب هذا السؤال تملك فرصة أكبر للاستمرار من تلك التي تحاول الحفاظ على كل شيء بالزخم نفسه.
البحث عن مصادر دعم جديدة
لأن خفض التمويل الفدرالي أو الحكوميّ أضعف قدرة المركز على مكافحة العمى النهري في أمريكا الوسطى والجنوبية، اضطر إلى البحث عن وسائل جديدة لتمويل هذا المسار.
وفي هذا الإطار انضم إلى تحالف يُعنى بمكافحة المرض، كما فعّل شراكاته مع القطاع الخاص، كذلك كان قد أبرم في العام السابق اتفاقًا مع شركة ميرك لتقديم 28 مليون جرعة من دواء ميكتيزان Mectizan وهو العلاج الرئيس للعمى النهري.
وفي الوقت نفسه، ومع تراجع التمويل الفدرالي المخصص لبرامج دعم الديمقراطية، كثف المركز جهوده لجذب التبرعات الفردية لهذا المسار ولا سيما من خلال الصناديق الاستشارية للمانحين، وفي هذا الصدد يكشف هذا الجانب من التجربة أن الاستدامة ليست مجرد سؤال عن المال المتاح بل ثمة بعد آخر يتعلق بمرونة المؤسسة في إعادة بناء نموذج دعمها حين يتغير الواقع.
إذ تظلّ المؤسسة التي تربط رسالتها بمصدر تمويلي واحد أكثر هشاشة من تلك التي تعرف كيف توسع شبكة سندها دون أن تفقد وضوحها.
ومن هنا تبدو هذه الخلاصة مهمة جدًا للقطاع غير الربحي العربي عمومًا، والسعودي خصوصًا، غندما تنطلق كثير من المبادرات بقوة تحت تأثير مؤسس مؤثر أو داعم رئيسي أو علاقة شخصية محورية و لكن النضج الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه الانطلاقة إلى نموذج أكثر توازنًا، بحيث لا يجعل الرسالة رهينة لفرد واحد، ولا يترك مستقبل الكيان معلقًا بمصدر واحد.
التطلع إلى المستقبل
يبحث مركز كارتر كذلك عن طرق للتواصل مع الداعمين الأصغر سنًا.
وتقول كروز إن العمل الذي يقوم به المركز يتجاوز الأجيال، وإن لديها قدرًا كبيرًا من الأمل في الجيل الأصغر لأنها ترى أنه يدرك بوضوح قوة الرسالة وصلابة القيم التي يقوم عليها المركز. من جهة أخرى، ترى كيسلينكو أن بعض القيم تتجاوز الزمن فعلًا، ويمكن أن تلامس مختلف الأجيال مهما تباعدت ظروفها وتشير إلى أنه بعد وفاة كارتر، كان كثير من الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي يشيدون به وبجهوده في تحسين العالم.
ومعنى هذا أن المنظمة لا تحافظ على إرث مؤسسها بمجرد تكرار اسمه، في المقابل، الطريق الأصدق هو قدرتها على تقديم القيم التي حملها للأجيال التالية بلغة مفهومة ومعاصرة بسبب أنّ الإرث الذي يبقى ليس هو ما يُستدعى في المناسبات فقط.
والأثر الأعمق هو ما يظل قادرًا على الإلهام والعمل بعد تغير الوجوه والسياقات وهذا هو التحدي الحقيقي: كيف تظل القيم حية من خلال المنظمة نفسها، لا من خلال الحنين وحده.
حين تبقى الرسالة بعد الرجل
ما تكشفه هذه التجربة بوضوح هو أن المنظمات غير الربحية لا تُختبر فقط في لحظات نموها لكن ينعكس الاختبار الأصدق في قدرتها على مواصلة الطريق حين يغيب مؤسسها أو تتراجع الظروف التي كانت تحيط به. فالكاريزما قد تمنح الانطلاقة وربما لا يكفي وحده لضمان البقاء بل إنّ ما يضمن البقاء فعلاً هو وضوح الرسالة، واستعداد القيادة، وقدرة المؤسسة على تحويل إرث المؤسس من حضور شخصي إلى بنية مستمرة.
لهذا تبدو تجربة مركز كارتر تذكيرًا مهمًا لكل منظمة غير ربحية، بما في ذلك كياناتنا المحلية التي ما تزال تعتمد في بعض الأحيان على المؤسس أكثر من اعتمادها على النظام وليست المؤسسة الأقوى تلك التي تملك مؤسسًا ملهمًا فقط.
الأهم من جميع ذلك أنها تعرف كيف تواصل رسالته من بعده وبذلك فإن المؤسس العظيم لا يُقاس فقط بما بدأه وإنما أيضًا بما يتركه قادرًا على الحياة بعد غيابه.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
