في كثير من المنظمات، لا تبدأ مشكلة البيانات من غياب الأرقام، بل من تضخمها حول أسئلة غير ناضجة. تُجمع البيانات، تُرتّب في جداول، تُعرض في تقارير، ثم تبقى بعيدة عن لحظة القرار؛ كأنها أرشيف أنيق لا ذاكرة تشغيلية حيّة.
من هذا المُنطلق تبرز قيمة هذا المقال، المترجم بتصرف محدود عن مادة منشورة في موقع Charity Digital، بوصفه مدخلًا عمليًا لفهم الفارق بين امتلاك البيانات واستخدامها، كونه لا يتعامل مع التحليل بوصفه تمرينًا تقنيًا، بل باعتباره قدرة مؤسسية على قراءة ما يحدث، وفهم أسبابه، وتوقع مساراته، ثم اختيار التصرف الأنسب.
ينشر «البنك الثالث» هذه المادة مع حفظ الحق الأدبي للمصدر الأصلي، ودون ادعاء حصرية الترجمة، إيمانًا بأن نضج المنظمات غير الربحية لا يُقاس فقط بما تملكه من موارد، ولكن بقدرتها على تحويل المعرفة المتاحة لديها إلى قرارات أكثر دقة، وعدالة، وقابلية للمساءلة.
تحليل البيانات هو عملية تحويل البيانات إلى معرفة أي غربلة المعلومات والبحث فيها لاكتشاف المعاني التي يمكن أن تساعد في اتخاذ قرارات واعية واستراتيجية، ورغم أن البيانات والتحليلات قد تبدو مخيفة أو تقنية بالنسبة إلى كثير من المنظمات الخيرية، فإنها أحدثت تحولًا كبيرًا في الطريقة التي تخطط بها هذه المنظمات، وتقيس بها أثرها، وتحسّن من خلالها نتائجها.
تجري معظم المنظمات الخيرية شكلًا من أشكال تحليل البيانات الأساسي على مستوى ما، لكنها تستطيع، من خلال النهج الصحيح، أن تحوّل هذه المعلومات إلى حكمة، ثم في النهاية إلى فعل.
في هذا المقال، نوضح ما الذي يمكن أن تحققه المنظمات الخيرية من خلال البيانات والتحليلات.
فوائد البيانات والتحليلات للمنظمات الخيرية
تمتلك معظم المنظمات الخيرية إمكانية الوصول إلى بيانات تتعلق بالمستفيدين من خدماتها، وداعميها، والمجالات التي تعمل فيها. وقد بدأت كثير من هذه المنظمات في توظيف هذا المورد القيّم بطرق متعددة من أجل إحراز تقدم في العمل الذي تقوم به.
وفيما يلي بعض الأسباب:
الكفاءة
يساعد امتلاك صورة أوضح عن المستفيدين من الخدمات والأنشطة التي تقدمها المنظمة الخيرية على توفير الوقت والموارد، وذلك من خلال تقليل الاستثمار في البرامج والمبادرات التي لا تحقق النتائج المرجوة، وفهم أسباب عدم فاعليتها، وهذا يتيح للمنظمة توجيه طاقتها نحو مجالات الخدمة التي يُرجح أن تكون أكثر أثرًا وفاعلية.
إعداد الميزانيات
يمكن للبيانات والتحليلات أن تساعد المنظمات الخيرية على فهم المواضع الأنسب لتخصيص الميزانيات، كما تساعدها على تقديم توقعات أفضل في التخطيط المالي المستقبلي.
جمع التبرعات
تساعد البيانات والتحليلات المنظمات الخيرية على توجيه رسائلها الاتصالية بصورة أدق، وفهم المنصات والشرائح الجماهيرية التي ينبغي التركيز عليها لزيادة التبرعات، كما يمكنه أن تكون بيانات الأثر وسيلة قوية تمكّن المنظمات الخيرية من سرد قصتها، وكسب مزيد من الدعم.
المساءلة
تساعد استراتيجية البيانات الجيدة المنظمات الخيرية على تقديم تقارير دقيقة ومفصلة لأصحاب المصلحة، وإثبات فاعلية أعمالها وأثرها من أجل الحصول على ميزانيات ودعم أكبر، فضلا عن أن الشفافية عامل أساسي في بناء الثقة وتعزيز سمعة المنظمة الخيرية.
الاستراتيجية طويلة المدى
يمكن أن تساعد الرؤية الواضحة للبيانات المنظمات الخيرية على التخطيط بثقة أكبر لكل شيء من التوظيف وإدارة الأصول، إلى التسويق، وصياغة الرسائل، وتلبية احتياجات المستفيدين من خدماتها.
الابتكار
يمكن للبيانات والتحليلات أن تمنح المنظمات الخيرية منظورًا أوسع لكل ما تقوم به، وللمجتمع الذي تخدمه، من خلال الكشف عن علاقات وارتباطات خفية قد تقودها إلى اتجاهات جديدة أو غير متوقعة.
في نفس السياق، تابع القراءة للاطلاع على مزيد من الأمثلة الواقعية لمنظمات خيرية استخدمت البيانات والتحليلات لدفع التغيير داخل منظماتها لصالح المستفيدين منها.
أنواع تحليل البيانات
توجد أربعة أنواع من تحليل البيانات:
التحليل الوصفي: «ماذا حدث؟»
يُعد التحليل الوصفي أبسط أنواع تحليل البيانات وأكثرها شيوعًا، وهو يطرح سؤالًا أساسيًا: «ماذا حدث؟» وذلك من خلال تلخيص البيانات السابقة، وغالبًا ما يكون ذلك في صورة لوحات معلومات. ومن أمثلته:
من يستخدم الخدمة؟
ما انطباعات الناس عن المنظمة الخيرية في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال تحليل المشاعر؟
كم عدد المتبرعين الذين يتفاعلون مع صفحة معينة في الموقع الإلكتروني؟
التحليل التشخيصي: «لماذا حدث؟»
الخطوة التالية هي التعمق أكثر لمعرفة السبب، وفهم العوامل التي أدت إلى النتائج التي ظهرت ومن أمثلته:
1 . معرفة العوامل، مثل العمر، والجنس، والحالة الوظيفية، وغيرها، التي تدفع الناس إلى أن يصبحوا مستخدمين متكررين لخدمات المنظمة الخيرية.
2 . تحديد الأنشطة الاتصالية، من حيث التوقيت، والصيغ، وشرائح الجمهور، وغيرها، التي حققت أعلى حجم من التبرعات.
3 . بحث أسباب مغادرة بعض الأشخاص صفحة التبرع دون إتمام أي إجراء.
التحليل التنبؤي: «ماذا سيحدث بعد ذلك؟»
يسعى هذا النوع من التحليل إلى معرفة النتائج المستقبلية المحتملة، استنادًا إلى التحليل الإحصائي للاتجَاهات والأنماط السابقة ومن هنا تبدأ التقنية المطلوبة في أن تصبح أكثر تعقيدًا، ومن أمثلته:
1 . توقع أي من المستفيدين من خدمات المنظمة الخيرية يُحتمل أن يستخدم خدمة أخرى من خدماتها، بما يتيح تدخّلًا موجّهًا.
2 . تقدير الفترات التي قد تشهد ارتفاعًا أو انخفاضًا في نشاط التبرعات، ومن ثم معرفة الأوقات الأنسب لتعظيم فرص طلب الدعم.
3 . التنبؤ بمن قد يرغب في حضور فعالية معينة، حتى لا تُهدر الموارد في مراسلة مئات الأشخاص عبر البريد الإلكتروني أو البريد التقليدي دون جدوى.
التحليل التوجيهي: «كيف ينبغي أن نتصرف؟»
يأخذ التحليل التوجيهي للبيانات الرؤى المستخلصة من التحليلات السابقة، ويحاول تحديد أفضل مسار للعمل ويُعد هذا النوع المرحلة الأكثر تقدمًا من حيث التعقيد، ويتطلب خوارزميات أكثر تطورًا. ومع ذلك، تستطيع المنظمات الخيرية التي لا تمتلك موارد كبيرة أن تطبق شكلًا أساسيًا من هذا التحليل يدويًا، من خلال تقييم الخطوات المنطقية التالية.
كيف تستخدم المنظمات الخيرية البيانات والتحليلات؟
هناك أمثلة كثيرة جدًا على منظمات خيرية نجحت في توظيف البيانات والتحليلات بطرق مختلفة. وفيما يلي بعض النماذج:
ماكميلان Macmillan : منظمة خيرية كبيرة
استخدمت منظمة ماكميلان، وهي منظمة وطنية لدعم مرضى السرطان، تحليل البيانات المتعلقة بالمتبرعين السابقين والمبالغ التي قدموها من أجل توقع دخلها على مدى فترة طويلة، وسعت المنظمة إلى زيادة العائد على الاستثمار في حملتها «أكبر صباح قهوة في العالم»، من خلال الكشف عن دوافع المشاركين في الفعالية، بمساعدة الاستبيانات والنماذج البحثية.
وأعادت المنظمة من خلال هذه البيانات والتحليلات، صياغة رسائلها لتخاطب شريحتها الجماهيرية الأساسية، وانتهى بها الأمر إلى تجاوز هدفها في جمع التبرعات بملايين إضافية.
برايورز كورت Prior’s Court : منظمة خيرية متوسطة الحجم
تدير منظمة برايورز كورت الخيرية في مقاطعة بيركشاير مدرسة، ومركزًا للسكن المدعوم، ومركزًا للتدريب والتطوير للشباب المصابين بالتوحد، وصعوبات التعلم، والاحتياجات المعقدة.
جمعت المنظمة أكثر من 10 آلاف تدوينة «يومية» أسبوعيًا حول الأنشطة التي كان الشباب يشاركون فيها، مثل مشاهدة التلفاز، أو لعب لعبة، أو الخروج في نزهة، أو الأكل والشرب، ثم حللت هذه البيانات عبر منصة رقمية مخصصة وقد مكّنتها تحليلات البيانات من فهم الأنشطة التي تحقق أكبر فائدة، وكذلك التنبؤ بموعد احتمالية حدوث النوبات بناءً على محفزات معينة.
ذا كارت شِد The Cart Shed : منظمة خيرية صغيرة
أرادت منظمة «ذا كارت شِد» الخيرية، المتخصصة في الأنشطة الخارجية والطبيعة في هيرفوردشاير Herefordshire أن تُظهر أثرها بصورة أوضح، وبفضل إعادة تقييم شاملة لاستراتيجية البيانات لديها على مدى عام كامل، أصبحت أكثر قدرة على سرد قصتها بفاعلية، وقياس أنشطتها وفق مؤشرات أداء أكثر وضوحًا.
وتمكنت المنظمة من وضع خطة تطوير تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، تضمنت اعتماد نظام جديد لإدارة علاقات العملاء، ووضع خارطة طريق لجمع البيانات وإدارتها واستخدامها لتحقيق نتائج ذات معنى.
كيف يمكن للمنظمات الخيرية أن تبدأ في استخدام البيانات والتحليلات؟
قد تبدو البداية في مجال البيانات والتحليلات مرهقة في أول الأمر غير أن حتى المنظمات الخيرية الصغيرة غالبًا ما تمتلك مصادر غير مستغلة من البيانات، يمكن أن تساعدها، إذا توافرت الأنظمة والقدرات المناسبة، على النمو ومواجهة تحدياتها الخاصة.
وغالبًا ما يتعلق الأمر بالعودة إلى الأساسيات ومعرفة الأسئلة التي ينبغي طرحها وتستطيع المنظمات الخيرية أن تبدأ فورًا بإجراء تحليل وصفي لمعرفة من يستخدم خدماتها، ومن يتفاعل مع اتصالاتها، ومن يتبرع لها.
تُعد أدوات الاستبيان مثل SurveyMonkey، وبيانات المواقع الإلكترونية من Google Analytics، أو حتى جدولًا بسيطًا لبيانات المتبرعين، نقاط بداية مجانية لجمع البيانات وتجريب استخدامها.
بعد ذلك، قد ترغب المنظمة في اتخاذ خطوات أولى نحو تحديد استراتيجية للبيانات والتحليلات، من خلال:
1 . تحديد ما تحتاج إلى معرفته، وقضاء بعض الوقت في صياغة الأسئلة بصورة دقيقة.
2 . فهم أنواع البيانات المتاحة لديها بالفعل، ومعرفة أين توجد.
3 . تقييم دقة البيانات وجودتها، وما إذا كانت تحتاج إلى تجهيز، أو دمج، أو تحويل إلى صيغة مختلفة لتصبح قابلة للاستخدام.
4 . فهم البيانات المطلوبة لسد الفجوات، وتحديد الأدوات والطرق المناسبة لجمعها، ومعرفة ما إذا كانت هناك بيانات موجودة يمكن الاستفادة منها، مثل مجموعات البيانات المفتوحة.
5 . تحديد أفضل طريقة لتخزين البيانات وإدارتها، وما إذا كانت المنظمة بحاجة إلى الاستثمار في برمجيات متخصصة للبيانات والتحليلات، مثل نظام إدارة علاقات العملاء.
6 . الوصول إلى خبراء يمكنهم المساعدة في إجراء تحليل البيانات، سواء من خلال توظيف أصحاب المهارات المناسبة، أو المشاركة في برنامج تدريبي، أو الاستعانة بمتطوع يمتلك مهارات متخصصة.
7 . تشجيع ثقافة قائمة على مشاركة البيانات وطرح الأسئلة، حتى يستمر الموظفون في اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة.
أين يمكن للمنظمات الخيرية الأجنبية أن تحصل على المساعدة في مجال البيانات؟
يمكن للمنظمات الخيرية التواصل مع الجهات التالية للحصول على مساعدة متخصصة:
DataKind UK
تُعد DataKind UK مجتمعًا من المتطوعين المتخصصين في علم البيانات، ويكرسون جهودهم لمساعدة المنظمات الخيرية على الاندماج في ثورة البيانات.
تتيح فعاليات DataKind UK المجتمعية للمنظمات الخيرية التواصل مع الخبراء وطرح أسئلة سريعة، بينما تمكّن برامج DataDive وDataCorps المنظمات من العمل على استراتيجيتها خلال عطلة نهاية أسبوع، أو الحصول على دعم أطول مدى في تحدٍّ محدد.
Data Orchard
يقدم فريق مؤسسة Data Orchard الاجتماعية خدمات البحث وتقييم البيانات، كما يوفر تدريبًا مخصصًا للمنظمات الخيرية بهدف تحسين مهاراتها.
ولديهم أيضًا أداة مجانية تساعد المنظمات الخيرية على تقييم «نضجها في البيانات»، وفهم موقعها في رحلة البيانات والتحليلات، وما قد تحتاج إلى القيام به بعد ذلك.
NPC
تساعد مؤسسة NPC، وهي مركز تفكير واستشارات متخصص في القطاع الخيري، المنظمات على جمع البيانات المتعلقة بأثرها وتحليلها وإعداد التقارير عنها، إلى جانب مشروع Data Labs الذي يهدف إلى فتح البيانات الحكومية لاستخدامها من قبل المنظمات الخيرية، كما يحتوي موقعها الإلكتروني على العديد من الأدلة والموارد العملية، مثل تقرير Data with Destiny حول تحويل بيانات المنظمات الخيرية إلى فعل ذي معنى.
ليست المنظمات الخيرية بحاجة إلى أن تبدأ رحلة البيانات وحدها. في السياق المحلي، يمكنها أن تستند إلى منظومة واسعة من الجهات الداعمة، تبدأ من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي بوصفه مرجعًا تنظيميًا وتمكينيًا، وتمتد إلى الهيئة العامة للإحصاء بوصفها مصدرًا للبيانات الرسمية، وسدايا وأكاديميتها بوصفهما مسارًا لبناء القدرات في البيانات والذكاء الاصطناعي، كما يمكن للمنظمات أن تستفيد من الجامعات، ومراكز البحث، ومزودي الحلول التقنية، وشركات التحول الرقمي، بشرط أن تبدأ بسؤال واضح: ما القرار الذي نريد تحسينه؟ لا ما النظام الذي نريد شراءه؟
المنظمة التي لا تعرف كيف تسأل بياناتها ستظل أسيرة الانطباعات، حتى لو امتلكت أحدث الأنظمة و أما المنظمة التي تبني علاقة واعية مع بياناتها، فإنها لا تجمع الأرقام لتزيين التقارير، ولكن لتراجع الفرضيات، وتكشف مواطن الهدر، وتفهم سلوك المستفيدين والداعمين، وتعيد توجيه مواردها نحو ما يصنع فرقًا حقيقيًا.
ليست البداية في شراء منصة جديدة دائمًا، ولا في بناء لوحة مؤشرات معقدة، بل في سؤال إداري بسيط وعميق: ما القرار الذي نريد أن تساعدنا البيانات على تحسينه؟
حين يصبح هذا السؤال حاضرًا في التخطيط، والاتصال، وجمع التبرعات، وقياس الأثر، تنتقل البيانات من هامش العمل إلى قلبه وعندها لا تكون المنظمة أكثر معرفة فقط، ولكنها أكثر قدرة على تحمّل مسؤولية اختياراتها أمام المستفيدين والداعمين والمجتمع.
تنويه حقوقي: تُرجم هذا المقال بتصرف محدود عن مادة منشورة في موقع Charity Digital بعنوان How charities can use data analytics، مع إعادة تهيئته تحريرياً بما يناسب قارئ «البنك الثالث». ولا تمثل هذه الترجمة إصدارًا حصريًا، وتبقى الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة للمصدر الأصلي وكاتبه.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
