هل التوسع دائمًا علامة نجاح في القطاع غير الربحي؟

ع ع ع

في كثير من غرف التخطيط، يبدو السؤال مألوفًا إلى درجة أنه صار بديهيًا: هل يمكن لهذا المشروع أن يتوسع؟ يظهر السؤال في طلبات المنح، وفي عروض المبادرات، وفي اجتماعات مجالس الإدارة، وفي نماذج المسرّعات الاجتماعية. 

ومن حيث المبدأ، يبدو السؤال عادلًا؛ فإذا نجحت مبادرة في خدمة مجتمع صغير، فلماذا لا تصل إلى مجتمع أكبر؟ وإذا أثبت نموذج أثره في مدينة، فلماذا لا ينتقل إلى مدن أخرى؟

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التوسع من خيار استراتيجي إلى معيار وحيد للنجاح. عندها لا تُسأل المبادرة: هل صنعت فرقًا حقيقيًا؟ بل تُسأل: هل يمكن تكرارها؟ ولا يُنظر إلى المنظمة من زاوية عمق أثرها، بل من زاوية قدرتها على الانتشار السريع. وهنا يصبح النمو، لا الأثر، هو اللغة المهيمنة على الحكم والتمويل والتقدير.

هذا هو السؤال الذي يفتحه مقال منشور في Stanford Social Innovation Review للكاتبة Tanya Kak بعنوان: Does Everything in the Social Sector Need to Scale? إذ يجادل بأن العالم لم يعد يتصرف كنظام قابل للاستنساخ والتوسع بسهولة، وأن النجاح في العمل الاجتماعي ينبغي أن يكون أوسع من مجرد النمو والانتشار.


حين يصبح التوسع هو المنطق الافتراضي

خلال العقود الماضية، أصبح التوسع فكرة مركزية في العمل الخيري والتنموي والحل الجيد، في عين كثير من الممولين، هو الحل الذي يستطيع الوصول إلى عدد أكبر من الناس دون زيادة موازية في الموارد وكلما بَدا النمو أسرع، والانتشار أوسع، والمخرجات أسهل في القياس، بَدا المشروع أكثر جاذبية.

لهذا انتشرت لغة الأرقام: عدد المستفيدين، عدد الأسر المخدومة، عدد المواقع المنفذة، عدد الوحدات المسلّمة، وعدد المستخدمين الذين وصلتهم الخدمة. 

هذه المؤشرات مهمة بلا شك، لكنها تصبح خطرة حين تتحول من أدوات قياس إلى تعريف كامل للقيمة وليست كل قيمة قابلة للعد، وليست كل علاقة قابلة للتحويل إلى رقم، وليست كل نتيجة سريعة دليلًا على أثر عميق.

في العمل غير الربحي، قد تنجح مبادرة لأنها وُلدت من معرفة محلية دقيقة، أو لأنها بُنيت على علاقة ثقة طويلة، أو لأنها فهمت حساسية مجتمع محدد و لكن حين تُدفع هذه المبادرة إلى التوسع السريع، قد تفقد ما جعلها ناجحة أصلًا والنموذج الذي ينجح في حيّ صغير لا ينجح بالضرورة إذا نُقل كما هو إلى مدينة أخرى، لأن المجتمعات ليست نسخًا متطابقة، والحاجات لا تتحرك دائمًا بالمنطق نفسه.


ماذا نخسر عندما نطارد النمو وحده؟

الخسارة الأولى هي أن المنظمات تبدأ في تصميم أعمالها بما يرضي معايير التوسع، لا بما يخدم طبيعة المشكلة. 

يصبح المشروع الذي يسهل قياسه أكثر جاذبية من المشروع الذي يحتاج وقتًا طويلًا لبناء الثقة والمبادرة التي تنتج أرقامًا سريعة تبدو أقوى من العمل الصامت الذي يعيد ترميم العلاقات داخل المجتمع.

تصبح الخسارة الثانية أن بعض الأعمال العميقة غير مرئية والتنظيم المجتمعي، وبناء الثقة، وتغيير السلوك، وتقوية الأعراف الإيجابية، وتطوير القيادات المحلية، كلها أعمال لا تظهر بسهولة في لوحة مؤشرات شهرية. ومع ذلك، قد تكون هي التي تصنع الفرق الحقيقي وقت الأزمات.

والخسارة الثالثة أن التمويل نفسه يبدأ في تشكيل فهمنا للمشكلة وإذا كان الممول لا يدعم إلا ما يمكن توسيعه بسرعة، ستبدأ المنظمات في إعادة تعريف مشكلاتها بطريقة تجعلها قابلة للبيع والقياس والانتشار، حتى لو لم تكن هذه الطريقة هي الأكثر صدقًا أو نفعًا للمجتمع.

في السياق السعودي، يمكن ملاحظة ذلك في بعض المبادرات غير الربحية التي تُقاس بعدد الحملات أو المستفيدين أو الفروع أو الفعاليات، بينما يغيب السؤال الأعمق: هل تغيّر سلوك المستفيد؟ هل أصبحت الجمعية أكثر قربًا من مجتمعها؟ هل نشأت علاقة مستدامة مع الداعمين؟ هل بقي الأثر بعد انتهاء الحملة؟

ليس كل أثر يحتاج أن يكبر

هناك أثر يحتاج إلى التوسع فعلًا وبعض الخدمات الصحية، أو أنظمة الإنذار، أو الحلول الرقمية العامة، أو البرامج الوطنية واسعة النطاق، لا تحقق معناها إلا حين تصل إلى عدد كبير من الناس ويصبح التوسع في هذه الحالات ضرورة ملحة.

يوجد أثر آخر لا يحتاج أن يكبر بالضرورة، ولكن يحتاج أن يتجذر وتعيد المبادرة المحلية بناء ثقة مجتمع في جمعية ويحسن برنامج صغير علاقة الشباب بالعمل التطوعي وينشئ مشروع وقفي نموذجًا رصينًا لإداَرة مورد محلي وتنجح تجربة اجتماعية لأنها قريبة من الناس، لا لأنها قابلة للاستنساخ في كل مكان.

لا ينبغي دفع هذا النوع من الأثر دائمًا إلى التكاثر السريع و أحيانًا تكون قوته في بطئه و صبره وقربه من التفاصيل وفي كونه يعرف الناس بأسمائهم، لا بوصفهم أرقامًا في تقرير.


التوسع الأفقي والعمودي والعميق

حين نتحدث عن التوسع، غالبًا ما نتخيله بصورة واحدة: أن تكبر المنظمة، أو تزيد فروعها، أو تنتقل مبادرتها إلى مناطق متعددة و لكن يمكن أن ينتشر الأثر بطرق مختلفة.

هناك توسع أفقي، حين يُكرر النموذج في أماكن أخرى وهناك توسع عمودي، حين تؤثر التجربة في السياسات والأنظمة واللوائح وهناك توسع عميق، حين لا تنتشر المبادرة جغرافيًا، لكنها تغيّر علاقة الناس ببعضهم، أو تبدل ثقافة العمل، أو ترسخ ممارسة جديدة داخل المجتمع.

في كثير من الأحيان، يكون التوسع العميق هو الأكثر أهمية للقطاع غير الربحي. 

الجمعية التي تنجح في تحويل المتبرع من ممول عابر إلى شريك مؤمن بالرسالة حققت توسعًا عميقًا والمنظمة التي تبني ثقافة داخلية صادقة حول الشفافية والمساءلة حققت توسعًا عميقًا و المبادرة التي تجعل المجتمع المحلي يشعر أن الحل منه وله، لا مفروض عليه من الخارج، حققت توسعًا عميقًا حتى لو بقيت في نطاق جغرافي محدود.


العالم لم يعد يقبل النسخ الجاهزة

يشير المقال إلى أن حدود التفكير بمنطق التوسع أصبحت أوضح لأن العالم نفسه صار أكثر تعقيدًا واضطرابًا وبالنظر إلى التغيرات المناخية، والصدمات الاقتصادية، والتوترات الجيوسياسية، وتغير أنماط الثقة، كلها جعلت المجتمعات أقرب إلى كائنات حية متغيرة منها إلى آلات ثابتة يمكن تشغيلها بالنموذج نفسه في كل مكان. 

وهذا مهم جدًا للقطاع غير الربحي؛ لأن المشكلات الاجتماعية لا تتحرك وفق وصفات جاهزة وليس الفقر في مدينة كالفقر في قرية واحتياج الشباب في مجتمع صناعي ليس كاحتيَاجهم في مجتمع زراعي وتحديات المتبرعين في جمعية صحية ليست مثل تحدياتهم في جمعية دعوية أو ثقافية أو تنموية.

لذلك، لم يعد السؤال الأذكى: كيف نعمم هذا الحل؟ بل: ما الشروط التي جعلت هذا الحل يعمل؟ وهل يمكن أن نبني شروطًا مشابهة في سياقات أخرى دون أن ننسخ النموذج بصورة جامدة؟


من تمويل السفن إلى بناء المنارات والجسور

من أجمل استعارات المقال أنه يشبه المنظمات بالسفن التي تتحرك في بحر مضطرب، لكنها لا تستطيع وحدها أن ترسم الطريق وتحتاج السفن إلى منارات تكشف الاتجاه، وجسور تربط الجهود المتفرقة، وبنية تحتية تساعد الجميع على الملاحة.

في القطاع غير الربحي، نحن نمول السفن كثيرًا: جمعية تنفذ برنامجًا، مبادرة تطلق حملة، فريق يوزع خدمة، منصة تقدم محتوى لكننا لا نمول المنارات والجسور بالقدر نفسه: مراكز المعرفة، قواعد البيانات المفتوحة، شبكات التعلم، منصات التعاون، أدلة الممارسة، المختبرات الاجتماعية، والتحالفات التي تجعل المنظمات تتعلم من بعضها بدل أن تبدأ كل واحدة من الصفر.

وهنا تظهر فرصة كبيرة في السعودية، مع نمو القطاع غير الربحي وتوسع أدواره في رؤية 2030، لا يكفي أن تنمو أعداد الجمعيات والمبادرات؛ غير أنه نحتاج إلى بنية معرفية ومهنية تجعل هذا النمو أكثر حكمة و نحتاج إلى جسور بين الجمعيات والمانحين، بين الباحثين والممارسين، بين التجارب المحلية والسياسات العامة، وبين العمل الخيري التقليدي و المنظور التنموي الحديث.


ماذا يعني هذا للمانحين؟

يعني أن المانح لا ينبغي أن يسأل فقط: كم مستفيدًا تصلون إليه؟ بل يسأل أيضًا: ما الذي سيبقى بعد انتهاء التمويل؟ ما المعرفة التي تنتجها التجربة؟ ما العلاقة التي تبنيها مع المجتمع؟ هل ستقوّي المنظمة وحدها، أم ستقوّي المجال كله؟

التمويل الذكي لا يطارد المشروع الأسرع انتشارًا دائمًا، بل يبحث عن المشروع الأقدر على بناء شروط الأثر وقد يكون ذلك عبر دعم شبكة تعلم بين الجمعيات أو بناء منصة بيانات مشتركة أو تمويل دليل مهني مفتوح أو دعم جهة وسيطة تنقل المعرفة بين المنظمات الصغيرة والمؤسسات الكبرى.

المانح الذي يفكر بهذه الطريقة لا يموّل مشروعًا فقط، هو يموّل بيئة ولا يدفع كذلك سفينة واحدة إلى البحر، غير أنه يساعد الأسطول كله على معرفة الاتجاه.


ماذا يعني هذا للجمعيات؟

يعني أن الجمعية لا ينبغي أن تخجل من أثرها المحلي إذا كان عميقًا ليست كل جمعية مطالبة بأن تتحول إلى كيان ضخم وليست كل مبادرة مطالبة بأن تصبح نموذجًا وطنيًا و أحيانًا تكون الجمعية قوية لأنها تعرف مجتمعها جيدًا، وتفهم المستفيدين عن قرب، وتبني علاقة لا تستطيع منظمة كبيرة أن تبنيها بالسهولة نفسها.

لكن هذا لا يعني الاكتفاء أو الانغلاق حيث أن الجمعية المحلية تستطيع أن توسع أثرها بطرق غير تقليدية: أن توثق تجربتها، أن تنشر دليلًا عمليًا، أن تشارك أدواتها مع جمعيات أخرى، أن تؤثر في سياسات محلية، أن تبني تحالفات، أو أن تجعل نموذجها مصدر إلهام دون أن يتحول إلى نسخة مفروضة على الجميع.

بهذا المعنى، لا يكون السؤال: هل كبرنا؟ بل: هل أصبح أثرنا أعمق، وأوضح، وأكثر قابلية للاستمرار؟


حين يصبح البطء فضيلة استراتيجية

في زمن السرعة، يصعب الدفاع عن البطء. لكن العمل غير الربحي يعرف أن بعض الأشياء لا تنضج بسرعة ومن جانبها لا تُبنى الثقة بحملة و السمعة لا تُشترى بإعلان لذلك لا يحدث التغيير السلوكي بمنشور واحد والحوكمة لا تنشأ من وثيقة جميلة، بل من ممارسة متكررة ومراجعة مستمرة.

لذلك، قد يكون البطء أحيانًا فضيلة استراتيجية و ليس البطء بمعنى العجز أو التردد، والبطء الذي يسمح بالفهم، والإنصات، والتجريب، والتصحيح لذلك البطء الذي يحمي المنظمة من تضخيم نموذج لم يثبت بعد و البطء الذي يمنح المبادرة لديه فرصة أن تتجذر قبل أن تنتشر.

في كثير من المبادرات، لا يكون الخطر في عدم التوسع، ولكنه ينحصر في التوسع المبكر لذلك أن تنقل نموذجًا قبل أن تفهمه و أن تكرر تجربة قبل أن تعرف شروط نجاحها و أن تطارد أرقام الوصول قبل أن تتأكد من عمق الأثر.


النجاح ليس حجمًا فقط

القطاع غير الربحي يحتاج إلى شجاعة جديدة في تعريف النجاح وهو على سبيل المثال أن يكون جمعية صغيرة صنعت نموذجًا أخلاقيًا في خدمة المستفيد وقد يكون مبادرة محدودة غيّرت وعي مجموعة من الشباب وقد يكون تحالفًا هادئًا بين منظمات لا يظهر في الإعلام، لكنه يمنع تكرار الجهود ويخفض الهدر وقد يكون موردًا معرفيًا مفتوحًا تستفيد منه عشرات الجمعيات دون أن يعرف أحد من أنشأه.

ليست كل النجاحات صاخبة وليست كل النجاحات قابلة للتصوير وليست كل النجاحات تحتاج إلى أن تكبر كي تثبت أنها مهمة.


عندما يتجذر الأثر قبل أن ينتشر

ربما يكون السؤال الأهم أمام المنظمات غير الربحية في المرحلة القادمة ليس: كيف نتوسع؟ بل: متى يكون التوسع صحيحًا؟ ومتى يكون خطرًا؟ ومتى يكون الأجدى أن نعمّق الأثر بدل أن نوسع نطاقه؟

التوسع ليس عدوًا لكنه أيضًا ليس مرادفًا دائمًا للنجاح، إنه أداة، والأداة لا تكون نافعة إلا إذا استُخدمت في موضعها و بعض هذه المبادرات يجب أن تكبر، وبعضها يجب أن يؤثر في السياسات، وبعضها يجب أن يبقى قريبًا من مجتمعه، وبعضها يجب أن يتحول إلى معرفة مشتركة يستفيد منها الآخرون.

في القطاع غير الربحي السعودي، حيث تتسارع التحولات وتتسع التوقعات، نحتاج إلى هذا الوعي أكثر من أي وقت مضى، والمرحلة لا تحتاج فقط إلى منظمات أكبر، ولكنها إلى منظمات أعمق و لا تحتاج فقط إلى مشاريع أكثر، بل إلى أثر أبقى و لا تحتاج فقط إلى انتشار واسع، بل إلى جذور قوية.

ليس كل أثر يحتاج أن يكبر، بعض الأثر يحتاج فقط أن يتجذر جيدًا، حتى إذا جاءت الأزمة، وجد المجتمع ما يستند إليه.

مقال مترجم بتصرف عن Stanford Social Innovation Review والترجمة ليست حصرية

  • هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
  •    

scroll to top