يتراجع تحت ضغط الاقتصاد كثير من العطاء المؤسسي وتعيد الشركات ترتيب أولوياتها الخيرية بين الرسوم والتكاليف والضرائب، من هنا بالذات يبرز إعلان Liberty Mutual Foundation عن إنشاء صندوق دائم بقيمة 600 مليون دولار بوصفه أكثر من خبر مالي عابر؛ وإشارة إلى انتقال العطاء من منطق المنحة الموسمية إلى منطق النفس الطويل.
هذا النوع من الصناديق لا يمنح المجتمع دعمًا مؤقتًا، لكنه يصنع له أفقًا مستقرًا تتكئ عليه المنظمات غير الربحية وهي تواجه تحديات السكن، والعمل، والمناخ، وتقلّبات التمويل. وقد نُشر أصل هذا المقال في وكالة أسوشيتد برس (Associated Press) للكاتب جيمس بولارد (James Pollard)، وتُحفظ جميع الحقوق الفكرية والأدبية للكاتب والوكالة، فيما تأتي هذه المعالجة العربية لمنصة البنك الثالث بوصفها ترجمة تحريرية أمينة وموسّعة، تهدف إلى تقريب الفكرة للقارئ العربي وربطها بسياق الاستدامة والوقف المؤسسي في العمل غير الربحي.
في عامٍ بَدا فيه العطاء المؤسسي في الولايات المتحدة محاطًا بكثير من الأسئلة، حيث لم تعد التزامات الشركات تجاه العمل الخيري تبدو محسومة كما كانت. في خلال ذلك، دفعت الرسوم الجمركية، وارتفاع التكاليف، وتغيرات القوانين الضريبية، عددًا من الشركات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الخيرية، لا بوصفها مبادرات علاقات عامة فقط، بل باعتبارها التزامات مالية طويلة الأمد تحتاج إلى حسابات أدق.
وسط هذا المناخ المرتبك، جاءت إشارة مختلفة من شركة Liberty Mutual Insurance، وهي شركة تأمين أمريكية كبرى مقرها بوسطن ويعود تاريخها إلى أكثر من قرن. فقد أعلنت ذراعها الخيرية، Liberty Mutual Foundation، إنشاء صندوق دائم بقيمة 600 مليون دولار، بوصفه مصدرًا طويل الأجل لتمويل المنظمات غير الربحية، وبما يتيح للمؤسسة تقديم منح أكثر استقرارًا واستجابة لاحتياجات شركائها.
الفكرة لا تتعلق بتبرع كبير ينتهي أثره مع انتهاء دورة المنح، بل ببناء أصل مالي طويل النفس نظرا إلى أنّ الصندوق الدائم، أو ما يُعرف في السياق الأمريكي باسم Endowment، يقوم عادة على تخصيص مبلغ كبير للاستثمار، ثم استخدام عوائده في تمويل المنح والبرامج. وللقارئ العربي، تبدو الفكرة قريبة من منطق الوقف المؤسسي: أصل يبقى، وعائد يتحرك لخدمة المجتمع، مع اختلاف السياق القانوني والاصطلاحي بين التجربة الأمريكية و مفهوم الوقف في البيئة الإسلامية.
تحدثت رئيسة مجلس إدارة مؤسسة Liberty Mutual Foundation، ميلاني فولي عن هذه الخطوة بوصفها استجابة لحاجة واقعية لدى المنظمات غير الربحية. هذه المنظمات، كما تقول، تعمل في أوقات صعبة، وتحتاج من المانحين إلى مرونة أكبر، وإلى قدرة حقيقية على الإصغاء لما تحتاجه لا لما يُفترض أنها تحتاجه ومن هنا لا تبدو المنحة مجرد تحويل مالي، ولكنها تتطور إلى علاقة طويلة بين مانح يحاول أن يفهم، وشريك ميداني يواجه ضغط الواقع يومًا بعد يوم.
لعلمنا، تأسست مؤسسة Liberty Mutual Foundation عام 2003، ويبدو أن بلوغها هذه المرحلة من النضج دفعها إلى البحث عن مصدر تمويل دائم وقادر على الاستمرار بذاته، وستموّل الشركة هذا الصندوق من خلال نقل أصول، من بينها أسهم مملوكة داخل كيانات تابعة لـ Liberty Mutual. وبذلك لا تكون المؤسسة قد أعلنت عن زيادة عابرة في العطاء، بل عن هندسة مالية جديدة تمنح عملها الخيري أساسًا أكثر ثباتًا.
تضع هذه الخطوة الذراع الخيرية للشركة ضمن فئة مؤثرة من المؤسسات التي تمتلك أصولًا تتجاوز 100 مليون دولار، والأهم من حجم الأصل نفسه أن الشركاء غير الرّبحيين يقرؤون فيه رسالة اطمئنان: هناك مورد مستمر، لا يعتمد فقط على مزاج سنة مالية أو دورة اقتصادية واحدة، واعتادت المؤسسة في السنوات الأخيرة تقديم منح تقارب 50 مليون دولار سنويًا، لكن الصندوق الجديد يفتح المجال لرفع قدرة المنح وتوسيع أثرها.
تؤكد فولي أن الإعلان ليس مجرد رد فعل مباشر على ما حدث مؤخرًا في القطاع، لكنه يأتي في توقيت بالغ الحساسية في الوقت الذي تواجه المنظمات غير الربحية في الولايات المتحدة فيه حالة عدم استقرار مركّبة؛ تراجع عدد المتبرعين الأفراد خلال سنوات، وهؤلاء يشكلون جزءًا رئيسيًا من التمويل الخيري الأمريكي. وفي الوقت نفسه، أدت محاولات تجميد بعض التمويلات الحكومية وتقليص منح الخدمات الاجتماعية إلى إرباك منظمات كانت تعتمد على هذا المسار بوصفه أحد مصادرها الأكثر موثوقية.
وفي خلفية المشهد أيضًا، تراجعت بعض الشركات والمؤسسات الخيرية عن مبادرات التنوع والإنصاف والشمول، وهي المبادرات التي كانت في كثير من الأحيان تذهب إلى دعم منظمات تخدم مجتمعات هشة أو فئات أقل حظًا. لذلك تبدو مبادرة Liberty Mutual Foundation أكثر من مجرد إعلان مالي؛ واستحالت إشارة إلى أن بعض الشركات لا تزال ترى في العمل الخيري التزامًا استراتيجيًا لا يتقلص عند أول موجة ضغط.
سيكون المستفيد الأكبر من هذا الصندوق غالبًا المنظمات غير الربحية في منطقة بوسطن، لا سيما تلك التي تعمل في قضايا الاستقرار السكني، وتطوير القوى العاملة، والمرونة المناخية. وهذه المجالات ليست منفصلة عن طبيعة الشركة الأم؛ فـ Liberty Mutual تعمل في التأمين على الممتلكات والحوادث، وهي بذلك تمتلك خبرة مباشرة في فهم المخاطر، والكوارث، والسكن، وحماية المجتمعات من آثار التحولات المناخية والاقتصادية.
وقد قدمت مؤسسة Liberty Mutual Foundation خلال العام الماضي منحًا لأكثر من 500 منظمة غير ربحية، ومن بين المستفيدين السابقين من دعمها منظمات وطنية معروفة مثل الصليب الأحمر الأمريكي، وهو من أكبر المنظمات الإنسانية في الولايات المتحدة، و فروع محلية من شبكة Boys & Girls Clubs of America، وهي شبكة مجتمعية واسعة تقدم برامج للأطفال والشباب، إضافة إلى منظمات محلية مثل Bridge Over Troubled Waters، التي تعمل في بوسطن مع الشباب المشردين أو المعرضين إلى فقدان المأوى.
وتوضح ليا باتين، وهي مديرة في مؤسسة Chief Executives for Corporate Purpose، وهي جهة أمريكية تعمل مع الشركات على ربط غاياتها المؤسسية بالأثر الاجتماعي، أن المؤسسات الخيرية التابعة للشركات تستطيع أن تمنح العمل غير الربحي قدرًا من الدقة والملاءمة عندما تربط عطاءها بخبرة الشركة الأصلية. عندما تكون شركة عاملة في مجال الصحة، على سبيل المثال، قد تكون أقدر من غيرها على فهم العوامل الاجتماعية المؤثرة في الصحة، مثل التلوث أو التغذية أو ظروف السكن.
بهذا المعنى، لا تكون قيمة الشركة في المال وحده، ولكنها تتبلور في المعرفة التي تحملها من مجال عملها، وحين تدخل الشركة إلى العمل الخيري من بوابة خبرتها لا من بوابة الظهور الإعلامي فقط، فإنها تستطيع أن تفكر في تغيير بيئات كاملة، لا في معالجة أعراض مؤقتة وهذا ما يجعل العطاء المؤسسي أكثر عمقًا: أن تتحول خبرة السوق إلى معرفة اجتماعية، وأن يتحول رأس المال إلى أداة لفهم المشكلات لا تمويلها فقط.
ومع إنشاء الصندوق الجديد، تخطط مؤسسة Liberty Mutual Foundation إلى تقديم منح أكبر أثرًا، وعلى مدد زمنية أطول، وتشير فولي إلى برنامج حديث يمنح التحالفات غير الربحية الوقت والموارد اللازمة لمعالجة تحديات معقدة لا تستطيع منظمة واحدة التعامل معها بمفردها. وفي عامه الأول، قدّم البرنامج أكثر من 9 ملايين دولار لأكثر من عشرة تحالفات تعمل على قضايا تمتد من جاهزية القوى العاملة إلى الأمن الغذائي.
حصل عدد محدود من هذه التحالفات على دعم يمتد لثلاث سنوات، وهو ما تصفه المؤسسة بأنه الحد الأقصى المعتاد لمدة منحها حتى الآن وتعتزم المؤسسة كذلك تقديم منح سريعة ومباشرة، شبيهة بتلك التي ظهرت خلال جائحة كوفيد-19، بهدف مساعدة المنظمات على مواجهة الضغوط المفاجئة، ومن بينها ارتفاع التكاليف والتضخم.
في جوهر هذه الخطوة، لا تكمن القصة في رقم 600 مليون دولار وحده، ولكنها تدور حول الفكرة التي يقترحها الرقم: أن المجتمع لا يحتاج دائمًا إلى تبرع أكبر، ولكنه بحاجة إلى نفس أطول.
في هذا الصدد، لا تختنق المنظمات غير الربحية فقط بسبب نقص المال، ولكنها بسبب قصر أمد التمويل، وتذبذب أولويات المانحين، واضطرارها إلى إعادة إثبات أهميتها كل عام.
ومن هنا تبدو مبادرة Liberty Mutual Foundation درسًا يتجاوز السوق الأمريكي لأنّ استدامة العمل غير الربحي ليست شعارًا يضاف إلى الخطة الاستراتيجية، بالعكس هي بناء مالي، وفلسفة منح، وعلاقة ثقة بين رأس المال والمجتمع. وحين تختار شركة أن تؤسس صندوقًا دائمًا لا أن تقدم منحة عابرة، فإنها لا تمنح المال فقط، ولكنها تمنح المنظمات فرصة أن تفكر أبعد من دورة التمويل القادمة.
تمّت الترجمة غير الحصريّة من مقال منشور في وكالة أسوشيتد برس (Associated Press) للكاتب جيمس بولارد، وأُعيدت صياغته عربيًا بتصرف معرفي.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
