ليس صحيحًا أن جيل زد لا يهتم؛ غير أن كثيرًا من الأحكام التي تُطلق عليه تبدأ من سوء فهم عميق لطريقته في النظر إلى العالم، إذ لا يريد هذا الجيل أن تبدأ علاقته بالمجتمع من قاعة محاضرات طويلة، ولا من خطاب مؤسسي مزدحم بالشعارات، ولكن من لحظة عملية تقول له بوضوح: يمكنك أن تبدأ من هنا، ويمكن لصوتك أن يترك أثرًا.
ومن ثم، لا تبدو المشكلة في غياب الرغبة بقدر ما تكمن في غياب المدخل المناسب، لأن الشاب اليوم يريد خطوة أولى واضحة، وتجربة صغيرة يمكن إنجازها الآن، لا وعدًا كبيرًا مؤجلًا إلى مستقبل غامض، كما يريد أن يختبر بنفسه أن مشاركته ليست تفصيلًا زائدًا في المشهد العام، وإنما جزء من قدرة أوسع على التغيير.
تأتي هذه المادة مترجمة بتصرف عن تقرير للكاتب James Pollard منشور في وكالة Associated Press، إحدى أبرز وكالات الأنباء العالمية، ويتناول مبادرة أمريكية حديثة تعيد التفكير في علاقة جيل زد بالمشاركة المدنية والعمل العام.
ولا يقرأ التقرير هذا الجيل من زاوية اللامبالاة أو الانسحاب، بل من زاوية أكثر إنصافًا: شباب يريدون أن يشاركوا، لكنهم لا يبحثون عن خطاب طويل، هم يبحثون في المقابل عن فعل صغير، واضح، وقابل للإنجاز، يثبت لهم أن أصواتهم ليست خارج المعادلة.
وفي هذه القراءة التي يقدمها البنك الثالث بتصرف، نعيد تقديم الفكرة في سياق معرفي أقرب إلى القطاع غير الربحي، مع حفظ الحقوق الأدبية للكاتب والمصدر الأصلي، واستلهام الدرس الأهم: أن الطريق إلى مشاركة الشباب لا يبدأ غالبًا من البرامج الثقيلة، بل من تجربة أولى تمنحهم الشعور بأنهم قادرون على إحداث فرق.
على هذا المعنى تنطلق مبادرة أمريكية تقودها منظمة “المواطنون والعلماء” (C&S)، المعروفة سابقًا باسم “معهد المواطنين والعلماء” (Institute for Citizens & Scholars)، وهي مبادرة لا تبدأ من السؤال التقليدي حول كيفية إقناع الشباب بالمشاركة المدنية، بالأحرى تنطلق من سؤال أكثر واقعية وملامسة لروح العصر: كيف نجعل المشاركة الأولى سهلة بما يكفي حتى لا يتردد الشاب في البدء؟
وبدلًا من أن تُبنى المبادرة على برامج ثقيلة أو مسارات طويلة، تدعو المنظمة المدارس، وأصحاب العمل، والجامعات، والشركاء المجتمعيين، إلى فتح أبواب عملية أمام الشباب بين سن الرابعة عشرة والرابعة والعشرين، إذ يمكن أن تبدأ المشاركة من تطوع محلي، أو تواصل مع ممثل منتخب، أو نقاش عام مع جيران مختلفين في الرأي والخلفية، أو مبادرة صغيرة تستجيب لحاجة واضحة في المجتمع.
لذلك يبدو الهدف طموحًا من حيث الرقم، حيث تسعى المبادرة إلى الوصول إلى عشرين مليون شاب وشابة خلال ثلاث سنوات، ودفعهم إلى القيام بأعمال ذات منفعة عامة، غير أن الأهم من الرقم هو الفلسفة التي تحمله، إذ لا تفترض المبادرة أن الشباب يحتاجون إلى مزيد من الوعظ، وإنما إلى تجربة أولى تمنحهم شعورًا عمليًا بأن المجال العام ليس حكرًا على السياسيين والخبراء وأصحاب الأصوات العالية.
ومن زاوية أخرى، يشبّه رئيس المنظمة راجيف فيناكوتا المشاركة المدنية بالتمرين الرياضي، إذ لا يدخل الإنسان النادي في يومه الأول ليحمل أثقل الأوزان، وإنما يبدأ بحركة بسيطة يكررها حتى يكتشف أن لديه قدرة أكبر مما كان يظن، وعلى النحو ذاته لا تُبنى “العضلة المدنية” لدى الشباب من الخطابات الكبرى، بل من أفعال صغيرة تتراكم مع الوقت وتحوّل الاهتمام إلى عادة.
وهنا تستحق الفكرة وقفة أوسع، لأن كثيرًا من المؤسسات تطلب من الشباب أن ينخرطوا مباشرة في التزامات طويلة، أو حملات كبيرة، أو لجان واجتماعات ومسارات إدارية، بينما جيل زد غالبًا لا يبدأ بهذه الطريقة، فهو جيل سريع الإيقاع، مباشر، حساس تجاه الزيف، ولا يحب أن يشعر بأنه مجرد حضور شكلي داخل صورة جماعية في نهاية الفعالية.
وبناءً على ذلك، يتزايد الاهتمام بما يسمى “التطوع غير الرسمي” (Informal Volunteering)، وهو نمط من العطاء لا يمر دائمًا عبر المنظمات التقليدية، ولا يحتاج بالضرورة إلى تسجيل طويل أو إجراءات كثيرة، بل قد يظهر في مساعدة جار، أو تنظيم مبادرة صغيرة، أو تحويل مناسبة شخصية إلى فرصة لدعم قضية، أو المشاركة في فعل جماعي بسيط لكنه صادق.
في السياق نفسه، تقول جينيفر سيرانجيلو، الرئيسة التنفيذية لمنظمة “نقاط الضوء” (Points of Light)، إن جيل زد يريد أن يخدم بسرعة وبأصالة وفي اللحظة نفسها، وهي عبارة تختصر الكثير من طبيعة هذا الجيل، لأن المشكلة ليست في رفضه للخدمة، وإنما في أنه لا يحتمل المسافات الطويلة بين النية والفعل، ولا يحب أن يملأ النماذج وينتظر الموافقات ثم يُطلب منه الحضور بعد أسابيع.
ومن هنا، تشير المقاربة التي تتبناها منظمة C&S إلى أن كثيرًا من الشباب مستعدون للمشاركة متى شعروا بأن فعلهم سيترك أثرًا ملموسًا، غير أن هذا الاستعداد يحتاج إلى مساحة حقيقية تتيح لهم ابتكار الحلول لا تنفيذ التعليمات فقط، لأن جيل زد لا يحب أن يُستدعى في نهاية الطريق لتنفيذ ما قرره الآخرون، بل يريد أن يكون حاضرًا في صناعة الفكرة منذ بدايتها.
ولعل هذه واحدة من أهم الرسائل للمؤسسات غير الربحية، إذ لا يكفي أن نقول للشباب إن المجتمع يحتاج إليهم، ولكن من الأفضل أن نصمم لهم طريقًا قصيرًا وواضحًا نحو الأثر، بحيث يعرف الشاب ما الذي يستطيع فعله خلال ساعة، أو يوم، أو أسبوع، ثم يرى نتيجة فعله أو يسمع أثره أو يشعر بأن مساهمته دخلت في مسار أكبر.
إلى جانب ذلك، تراهن المبادرة على المنصات الرقمية وعلى الشراكات القادرة على الوصول إلى لغة الشباب، وهناك حديث عن منصة مشاركة رقمية، وعن تعاون مع جهات تفهم سلوك الجيل الجديد، مثل منصات أبحاث الشباب وحركات التغيير الاجتماعي التي يقودها الشباب أنفسهم، الأمر الذي يجعل الرسالة واضحة: لا يمكن الوصول إلى جيل زد بالأدوات القديمة وحدها.
ومع ذلك، لا تكتفي المبادرة بالمسار الرقمي، لأنها تدرك أن المشاركة العميقة تحتاج أيضًا إلى لقاء مباشر، وحوار، واحتكاك إنساني، ومن هذا الباب يظهر اهتمامها بإعادة جمع الشباب في المدارس والجامعات وبيئات العمل، لا بوصفهم جمهورًا يتلقى، بل بوصفهم شركاء في النقاش والعمل وحل المشكلات.
على صعيد آخر، تدعم المنظمة مجموعة من الشباب عبر منح صغيرة وتدريب عملي، وتتوزع بعض هذه المشاريع بين البيئة والصحة وتسهيل المشاركة الانتخابية للمرضى المنومين في المستشفيات، إلا أن ما يجمع هذه الأمثلة ليس حجمها، بل قربها من مشكلة محددة تقول للشاب: لست مضطرًا إلى انتظار لحظة مثالية كي تفعل شيئًا نافعًا.
أما بالنسبة للقطاع غير الربحي في العالم العربي، وفي المملكة تحديدًا، فإن هذه الفكرة تحمل درسًا مهمًا، لأن كثيرًا من الجمعيات تبحث عن المتطوعين الشباب، لكنها أحيانًا تعرض عليهم فرصًا بلغة لا تشبههم، حيث تأتي الفرصة طويلة أو غامضة أو مثقلة بالمهام والإجراءات، بما يجعل الحماس يبرد قبل أن يتحول إلى فعل.
ولهذا، قد يكون المدخل الأذكى هو تصميم فرص صغيرة ومحددة وقابلة للإنجاز وسريعة الأثر، وليس المقصود هنا أن تتحول المشاركة إلى نشاط عابر بلا عمق، بل أن يصبح الفعل الصغير بوابة للفعل الكبير، وأن يتحول المتطوع الذي يشارك في مهمة بسيطة اليوم إلى قائد مبادرة غدًا، حين يجد بيئة تثق به وتمنحه مساحة للتجربة.
وبعبارة أدق، لا يحتاج جيل زد فقط إلى أن يسمع أن صوته مهم، بل يحتاج إلى تجربة تثبت له ذلك، تجربة تقول له إن هناك مشكلة واضحة، ومساحة صغيرة متاحة، وأثرًا يمكن أن يراه، وحين تكتمل هذه المعادلة يتحول الشاب من متلقٍ للخطاب إلى صاحب فعل.
في نهاية المطاف، لا تبدأ المشاركة المدنية دائمًا من القاعات الكبرى، فقد تبدأ من رسالة يرسلها شاب، أو ساعة تطوع، أو حوار قصير، أو مبادرة محلية لا يلتفت إليها الإعلام، ومع ذلك فإن هذه الأفعال الصغيرة حين تُصمم بعناية تصنع شيئًا أعمق من النشاط نفسه، إنها تصنع شعورًا بالقدرة.
وحين يشعر جيل كامل بأنه قادر، لا تعود المشاركة واجبًا ثقيلًا، وتصبح جزءًا من طريقته في فهم نفسه والعالم، ومن هنا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: كيف نقنع جيل زد بأن يشارك؟ بل كيف نمنحه فعلًا صغيرًا، صادقًا، وسهل البداية، يثبت له أن صوته قادر على تغيير شيء ما.
أُعد هذا المقال بتصرف استنادًا إلى تقرير منشور في وكالة Associated Press للكاتب James Pollard، مع الحفاظ على الحق الأدبي للمصدر الأصلي.
- هل كانت هذه المقالة مفيدة؟
